قانون العفو العام : بين تنفيس الاكتظاظ وخطر الإفلات من العقاب (وليد بركات)

بقلم وليد بركات – الحوارنيوز
عاد ملف “العفو العام” إلى واجهة مجلس النواب اللبناني بعد سنوات من الجمود. المقترح المطروح اليوم ليس نسخة عن عفو 1991 الذي طوى صفحة الحرب الأهلية تحت شعار “تسامح وتذكّر”، بل مشروع لتخفيض عقوبات وتسريع ملفات الموقوفين الذين لم يحاكموا.
لكن السؤال الأساسي: هل هو مخرج إنساني وقضائي ضروري، أم باب لتكريس الإفلات من العقاب؟
ماذا يتضمن المقترح الحالي؟
الصيغة المتداولة تشمل العفو عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، مع استثناءات واضحة:
- جرائم أمن الدولة الخارجي، الإغتيال، الإرهاب ضد الجيش، الإغتصاب، الإتجار بالمخدرات، تزوير العملة والوثائق، الاعتداء على الأموال العامة.
- تخفيض عقوبة الإعدام إلى أشغال شاقة مؤبدة، وتخفيض المؤبد إلى أشغال مؤقتة 10 سنوات، وتخفيض العقوبات الجنائية والجنح الأخرى حتى النصف.
- لا يشمل الموقوفين دون محاكمة، إطلاق سراح فوري، بل يركز على تقليص المدد وتسريع الملفات العالقه .
الإيجابيات: لماذا يؤيده البعض؟
معالجة الاكتظاظ الكارثي في السجون: السجون اللبنانية تضم أكثر من 8000 سجين وموقوف، كثيرون لم يصدر بحقهم حكم نهائي. القانون يخفف الضغط الإنساني والمالي على الدولة.
إنصاف الموقوفين بلا محاكمة: آلاف الملفات معلقة منذ سنوات دون مذكرات توقيف أو محاكمات. المقترح يسعى لتسريع هذه الإجراءات.
تهدئة اجتماعية: في ملفات قديمة، يعتبر البعض العفو خطوة نحو الاستقرار ومنع تحول السجون إلى قنابل موقوتة اجتماعياً.
تعديل العقوبات القاسية: استبدال الإعدام بالمؤبد ينسجم مع توجهات حقوقية دولية ترفض عقوبة الاعدام .
السلبيات والمخاوف: لماذا يعارضه آخرون؟
خطر الإفلات من العقاب: يخشى أهالي الضحايا والحقوقيون أن يصبح العفو غطاءً لجرائم فساد، اختلاس، ورشوة، خاصة مع تخفيض عقوبات الجنح المالية حتى النصف.
تجاوز حقوق المتضررين: هناك تساؤل إن كان القانون يتجاوز الدعاوى الشخصية لأهالي الضحايا. العدالة الانتقالية لا تعني إلغاء حق الأفراد بالملاحقة.
تشجيع على الجريمة: رسالة القانون قد تُفهم على أنها “ارتكب الجريمة وانتظر العفو”، ما يضعف الردع.
انتقائية سياسية: تاريخ لبنان مع العفو يظهر أنه غالباً ما يُستخدم لتسويات سياسية أكثر من كونه خطة إصلاح قضائي شامل.
الخلاصة: عفو مشروط أم فوضى مقنّنة؟
العفو العام ليس شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً. نجاحه يتوقف على أمرين:
الاستثناءات: كلما كانت دقيقة وشملت الجرائم الكبرى ضد الدولة والأفراد، قلّت شبهة الإفلات من العقاب.
الإصلاح القضائي الموازي: لا معنى للعفو دون إصلاح القضاء وتسريع المحاكمات. وإلا نكون نعالج العَرَض ونترك المرض.
لبنان لا يحتاج “صفحاً ونسينا” جديداً. يحتاج قانوناً يعيد التوازن بين الرحمة والعدالة، ويقول للمجرم: ستُحاسب، وللمظلوم: حقك محفوظ.
السؤال للمجلس: هل ستصوّتون على نص يحمي السجين المظلوم من دون ان يظلم الضحية مرتين؟….



