بين خيبة التوقعات ووقائع السياسة (أسامة مشيمش

بقلم د. أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز
لسان حال بعض النخبويين من أبناء طائفة المقاومة: “لم يكن هكذا الظن بك يا فخامة الرئيس”، وينطبق على هذه النتيجة ما قاله المثل الشعبي: “تمخض الجبل فأنجب فأراً”. عندما عارض أحد النخبويين من أبناء الطائفة الشيعية توصيفي رئيس الجمهورية ورئيس السلطة التنفيذية بأنهما أدوات في مشروع إنشاء الشرق الأوسط الجديد، معتبراً أن هذا الوصف يحمل علينا، أعود اليوم لأقول إن ما سُمّي بنتيجة المفاوضات لم يكن، في تقديري، سوى حضور ورشة عمل لفريق عمل لبناني أُمليت عليه كيفية التصرف بما ينسجم مع خطة يُنظر إليها على أنها جزء من مشروع يراد تنفيذه في لبنان.
بعيداً عن الضجيج الإعلامي الذي سبق هذه المفاوضات، جاءت النتائج، في نظر كثيرين، أقل بكثير من مستوى التوقعات التي رُسمت لها. فقد انتظر اللبنانيون أن يحمل الوفد الرسمي موقفاً سيادياً صلباً يضع المصالح الوطنية فوق أي اعتبار، وأن يرفض أي مقاربة تنتقص من حق لبنان في تقرير خياراته بنفسه، إلا أن المشهد الذي تلا اللقاءات أوحى، لدى شريحة واسعة من المتابعين، بأن سقف القرار اللبناني بات محكوماً باعتبارات وضغوط خارجية أكثر مما هو مستند إلى إرادة وطنية مستقلة.
إن ما يثير القلق ليس مضمون بعض الطروحات فحسب، بل الطريقة التي يُدار بها الملف اللبناني، حيث يبدو وكأن المطلوب من السلطة ليس التفاوض على أساس الندية، وإنما التكيف مع تصورات وخطط أُعدّت مسبقاً، ثم جرى البحث عن آليات تنفيذها محلياً. وهذا ما يدفع إلى التساؤل: هل لا يزال لبنان يملك هامشاً حقيقياً لصناعة قراره، أم أنه بات يكتفي بإدارة تفاصيل سياسات تُرسم خارج حدوده؟
لقد أثبتت التجارب أن المشاريع الإقليمية والدولية لا تنجح إلا عندما تجد في الداخل من يتولى تسويقها أو تنفيذها، سواء عن قناعة أو تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على كل من يتولى موقعاً دستورياً أن يتذكر أن شرعيته مستمدة أولاً من الشعب اللبناني، لا من رضا العواصم المؤثرة أو المباركة الخارجية.
لا شك أن لبنان يعيش ظروفاً بالغة التعقيد، وأن الضغوط التي يتعرض لها غير مسبوقة، لكن ذلك لا يبرر التنازل عن الثوابت الوطنية أو تقديم تنازلات مجانية تحت عنوان الواقعية السياسية. فالواقعية الحقيقية لا تعني الاستسلام، بل تعني حسن إدارة التوازنات مع الحفاظ على الكرامة والسيادة والحقوق.
اليوم، وبعد انقضاء الضجيج الإعلامي، لم يعد السؤال ماذا قيل في المفاوضات، بل ماذا سيُطلب من لبنان في المرحلة المقبلة، وكيف ستترجم تلك النتائج إلى خطوات عملية على الأرض. فالتاريخ يعلمنا أن أخطر التحولات لا تبدأ بالقرارات الكبرى، بل بتراكم خطوات صغيرة تبدو في ظاهرها تقنية أو إجرائية، بينما تؤسس في حقيقتها لمسار سياسي جديد.
ويبقى الحكم النهائي للرأي العام اللبناني، الذي يراقب ويقارن بين الوعود والنتائج، وبين الخطاب والممارسة، وهو وحده القادر على تحديد ما إذا كانت هذه المرحلة تمثل حماية للمصلحة الوطنية، أم بداية لمسار مختلف ستكشف الأيام أبعاده الحقيقية.



