سياسة

ماكرون بين تجربتي “اليونيفيل” والقوات المتعددة الجنسيات (أحمد حوماني)

 

كتب د.أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 “نريد إطلاق تحالف لما بعد اليونيفيل بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لتعزيز سيادة لبنان وقواته المسلحة، ومنع تحول أراضيه إلى منطلق لتصعيد إقليمي”..

 هذا ما صرّح به الرئيس الفرنسي ماكرون بعد صمت طويل حول ما يحصل من عدوان صهيوني على جنوب لبنان، وهو بذلك يتجاهل كل الجرائم والدمار والقتل الذي سببه هذا العدوان على أهل الجنوب، وكالعادة يبدو أن هناك من أعطى أمره للبدء بتنفيذ جزء من الخطة الأمريكية الصهيونية الموضوعة للجنوب. طبعًا سبق ذلك كلام لماكرون حول ضرورة انسحاب العدو الصهيوني من جنوب لبنان، ونزع سلاح حزب الله، وإيقاف الاعتداءات الصهيونية، وذلك لزوم تبييض صفحته أمام اللبنانيين قبل إرسال قواته إلى الجنوب، وهو يذكّرنا دومًا أن فرنسا ستعقد مؤتمرًا لدعم الجيش منذ سنوات عدة لم يُنفّذ، كما مؤتمرًا لإعادة الإعمار لن يبصر النور كذلك، وكل ذلك ترغيبًا للبنانيين في موادعة فرنسا وعدم ممانعة وجود جيشها على أرض الجنوب.

الحديث اليوم كله على ورقة التفاهم الموقّعة بين النظام اللبناني والعدو الصهيوني، بينما يتناسى الجميع أن هذا هو جزء من المخطّط المرسوم للبنان والجنوب، بدأ بانتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، ونواف سلام رئيسًا للحكومة، ثم قرار عدم التجديد لليونيفيل، وصولًا إلى المفاوضات المباشرة والتفاهم، واستكمالًا لقوات متعددة الجنسيات في جنوب لبنان. إذًا يعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالتنسيق مع إيطاليا والشركاء الأوروبيين، على تشكيل “ائتلاف دولي متعدد الجنسيات” للانتشار في جنوب لبنان، ويهدف هذا التحالف – كما يقولون – إلى دعم الجيش اللبناني لبسط سلطته على الحدود، ومنع حدوث فراغ أمني في مرحلة ما بعد انتهاء تفويض قوات اليونيفيل الحالي، كما يهدف إلى دعم وتجهيز القوات المسلحة اللبنانية لتكون القوة الوحيدة المسؤولة عن أمن الجنوب، وضمان حصر السلاح بيد الدولة.

إن مصطلح قوات متعددة الجنسيات ليس غريبًا على اللبنانيين، فهم خبروه قبل ذلك في بيروت، وعادةً ما تأتي هذه القوات لمساندة قوات العدو الصهيوني في تنفيذ مخطّطاته في لبنان، وقد جاءت هذه القوات في العام 1983 في ظروف مشابهة لما يجري اليوم، فالاحتلال الصهيوني كان على مشارف بيروت، ويتعرض لضربات موجعة، ويريد الانسحاب بماء الوجه، لكنه يريد الحفاظ على النظام الذي أوجده في لبنان وهو نظام الرئيس أمين الجميل، فكان أن حضرت قوات أمريكية وفرنسية وبريطانية وإيطالية إلى بيروت للسيطرة على أي انتفاضة قد تُسقط هذا النظام، لكنها تعرضت إلى ضربات قوية جدًا. فقد تم تنفيذ هجومين متزامنين في تشرين الأول من عام 1983 استهدفا القوات الأمريكية والفرنسية التابعة للقوة المتعددة الجنسيات، وأسفر التفجيران عن مقتل 241 من مشاة البحرية (المارينز) وغيرهم من الأفراد الأمريكيين، و58 جنديًا فرنسيًا، انسحبت على إثرها هذه القوات تجرّ أذيال الخيبة والهزيمة.

يومها لم يكن الجنوب بحاجة إلى قوات متعددة الجنسيات، أو بالأحرى كانت تلك القوات موجودة تحت اسم اليونيفيل، وهي عبارة عن تجمع للقوات الفرنسية والإيطالية والهولندية والإسبانية والصينية وغيرهم. أمّا اليوم فهناك حاجة ملحّة لقوات عسكرية خاصة، وليس لقوات سلام، ومن سيلعب هذا الدور أكثر من ماكرون. طبعًا هناك فرق كبير بين قوات اليونيفيل وقوات متعددة الجنسيات، وفرق أيضًا بين قوات أمم متحدة وبقرار منها، وبين قوات من الاتحاد الأوروبي بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والهدف واضح، فبعد فشل تحويل اليونيفيل للعمل تحت الفصل السابع، سوف يتم إرسال قوات من الناتو تعمل على فرض أجندتها على أهل الجنوب.

وحتى ننعش ذاكرة ماكرون، فإن للفرنسيين تجربتين عسكريتين في لبنان، الأولى هي تجربة القوات المتعددة الجنسيات التي تكلمنا عنها، والثانية هي تجربة اليونيفيل في جنوب لبنان، وحتى نكون منصفين يجب علينا أن نذكر التجربة الفرنسية في قوات اليونيفيل. يشهد الجنوبيون على تجربة مميزة للقوات الفرنسية منذ مجيئها عام 1978 ضمن اليونيفيل، وإذا ما استُطلعت آراء الجنوبيين حول الدور الفرنسي يومها، فسيُعبّرون عن تقديرهم وشكرهم ومحبتهم لهم، فيومها كانت القوات الفرنسية حريصة على أمن الجنوبيين وسلامتهم، ووقفت إلى جانبهم في كثير من الإشكالات سواء مع ميليشيا العميل سعد حداد أو ميليشيا العميل أنطوان لحد أو الجيش الصهيوني، وما زلت أذكر تلك النبرة الطافحة بالاحترام التي يكنّها لهم أهل الجنوب، وقد كنت أسمع الكثير من المدح لهم، بل كان تواجد القوات الفرنسية في بلدة ما، أو أن تكون تلك البلدة ضمن نطاق سير دوريات القوات الفرنسية مدعاة فخر لأهل الجنوب. وأذكر أنه في وقت ما هددت ميليشيا سعد حداد بقصف قريتي ياطر، فحضرت قوات فرنسية إلى القرية، وتم إبلاغ ميليشيا حداد بأن القصف سيقابل بالقصف، وفعلاً لم تُقصف البلدة يومها. كما أن هذه القوات أقامت علاقات صداقة مع كثير من أساتذة القرية الذين كانوا يتحدثون الفرنسية بحكم دراستهم لها في مدرسة القرية، التي لم تكن تدرّس إلا اللغة الفرنسية بعد العربية، وقد أقامت القوات الفرنسية دورات تدريب على كثير من الأعمال المنتجة مثل: عمار حجر الباطون، والورقة، والدهان، وغيرها من الأعمال التي تعلّمها العديد من شباب القرية.

اليوم يُريد ماكرون عودة القوات الفرنسية كقوات متعددة الجنسيات وليس كقوات يونيفيل، فهو يُريد تغييرًا في عمل القوات الفرنسية، لذا علينا تذكيره أن الجنوبيين قد تغيروا كذلك، فهم لا يثقون بأي قوات خارجية تحت أي عنوان أتت، كما أنهم أصبحوا أكثر تحفظًا وشراسة بعدما عانوه من عدوان الاحتلال الصهيوني، وبالتأكيد أكثر خبرة بالمؤامرات التي تُحاك ضد جنوبهم، وهم يعتبرون أن المقاومة هي عزّهم وشرفهم، وأن قوتها هي سند لهم، وأن من يُعاديها هو عدو لهم.

قبل أن أختم سأروي حادثة حصلت معي حول رأي القوات الفرنسية بأهل الجنوب، ففي إحدى زياراتي لمهرجان الأفلام في كان في فرنسا، وأثناء عودتي في مطار شارل ديغول، يبدو أن أحدًا اشتبه بحقيبة اليد التي وضعتها إلى جانبي بانتظار الدخول إلى الطائرة، فحضرت قوات أمن فرنسية واستدعتني، وسألتني عن الحقيبة من بعيد، فقلت لهم فيها بروشورات وكتب من المهرجان، ثم طلبوا فتحها، ففتحتها وأخرجت ما فيها، عندها تقدّم مني ضابط كبير واعتذر، وسألني من أي بلد أنا؟ فقلت لبنان، فلمعت عيناه وسألني من أين في لبنان؟ فقلت له جنوب لبنان، فانفرجت أساريره، وجلس بجانبي، وسألني من أي قرية؟ فقلت ياطر وحاولت أن أشرح له أين تقع ياطر، فتبسّم وقال لي: قريبة من الطيري، فتعجبت! فقال لقد خدمت في لبنان عدة سنين، وكنت في موقع القوات الفرنسية في الطيري، وكنا نذهب بدوريات شبه يومية إلى ياطر، ثم قال: شعب الجنوب شعب طيب، مُحب، يُكرم الضيف، ويحترم الغريب، لقد كانت من أفضل أيام حياتي تلك السنوات التي قضيتها في الجنوب.

اليوم ماكرون أمام خيارين واضحين، وتجربتين ما زالتا ماثلتين أمام الشعب اللبناني عامة والجنوبي خاصة، فأيهما سيختار: تجربة قواته التي عملت تحت قيادة اليونيفيل، أم تجربة قواته التي عملت تحت عنوان قوات متعددة الجنسيات، ولكل منهما رد مناسب من أهل الجنوب.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى