فوضى شركات الوساطة المالية في لبنان: مخاطر صامتة تهدد المتداولين والاستقرار المالي (عماد عكوش)

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
تشهد الساحة المالية اللبنانية في الآونة الأخيرة انتشارًا لافتًا لشركات وساطة مالية وتداول إلكتروني ، يتمدد نشاطها بسرعة تفوق بكثير قدرة الرقابة والتنظيم ، في مشهد يثير تساؤلات جدّية حول سلامة البيئة الاستثمارية وحماية المتداولين ، ولا سيما صغار المستثمرين.
هذا الانتشار لا يعكس نهوضًا ماليًا صحيًا بقدر ما يكشف عن فراغ تشريعي ورقابي خطير، يسمح بدخول لاعبين غير مؤهلين إلى قطاع بالغ الحساسية ، من دون الحد الأدنى من الشفافية أو الضمانات.
أبرز ما يواجهه المتداول اللبناني اليوم هو انعدام المعلومات الأساسية عن شركات الوساطة التي يتعامل معها.
ففي معظم الحالات لا تُنشر أي بيانات مالية مدقّقة ، لا يُعرف حجم رأس المال الفعلي ، لا تُعلن الأرباح أو الخسائر ، ولا تتوافر معلومات عن هيكل الملكية أو الإدارة ، وبالتالي يجد المتداول نفسه أمام خيار أعمى، فهو يودع أمواله لدى شركة لا يعرف قدرتها على تحمّل الخسائر ولا ملاءتها المالية ولا حتى مصير أمواله في حال التعثر.
في الأسواق السليمة، تُعد هذه المعطيات شرطًا أساسيًا لاتخاذ القرار الاستثماري. أما في لبنان، فهي شبه غائبة.
الأخطر من غياب الشفافية هو أن عددًا كبيرًا من هذه الشركات لا يخضع لرقابة هيئات دولية أساسية ، ولا يحمل تراخيص من جهات معترف بها عالميًا ، ويعمل عبر تسجيلات خارجية فضفاضة أو تراخيص “ورقية”.
ان غياب الترخيص الحقيقي يعني عمليًا عدم وجود تدقيق دوري ، عدم الفصل بين أموال الشركة وأموال العملاء ، وعدم وجود آلية تعويض أو حماية في حال الإفلاس أو الاحتيال ، وفي حال النزاع، يجد المتداول نفسه بلا مرجعية قانونية فعلية، لا محليًا ولا دوليًا.
هذا الواقع يخلق مجموعة من المخاطر الجدية، أبرزها خطر فقدان الودائع بالكامل في حال انهيار الشركة أو اختفائها ، التلاعب بالأسعار والتنفيذ لغياب الرقابة التقنية ، التضليل التسويقي عبر وعود أرباح غير واقعية ، واستغلال ضعف الثقافة المالية لدى شريحة واسعة من المتداولين الجدد. والنتيجة خسائر فردية تتراكم بصمت، من دون إحصاءات أو مساءلة.
المشكلة لا تقف عند حدود الأفراد ، بل تمتد إلى الاقتصاد ككل. فهذا الامر يمكن ان يؤدي الى استنزاف إضافي للسيولة المتبقية في السوق ، تحويل الأموال إلى قنوات غير منتجة وغير خاضعة للضبط ، ضرب الثقة بأي نشاط مالي مشروع مستقبلي ، وتعميق صورة لبنان كبيئة طاردة للاستثمار المنظم. ففي بلد يعاني أصلًا من أزمة مصرفية وثقة مهشّمة، يشكل هذا القطاع غير المنضبط قنبلة مؤجلة.
نظريًا، تقع مسؤولية التنظيم والرقابة على عاتق هيئة الأسواق المالية اللبنانية ، ومصرف لبنان، لكن عمليًا، تعاني الرقابة من ضعف الصلاحيات ، نقص الموارد ، غياب التحديث التشريعي ، والتردد في الحسم والتنفيذ ، ما يسمح باستمرار النشاط غير المنظم دون مساءلة.
الخروج من هذه الفوضى لا يحتاج معجزات ، بل قرارات واضحة تبدأ بتنظيم صارم للترخيص ، منع أي شركة وساطة من العمل دون ترخيص محلي واضح ، وربط الترخيص بجهات رقابية دولية معترف بها.
منها فرض الشفافية الإلزامية عبر نشر بيانات مالية مدقّقة دوريًا ، إعلان رأس المال والملاءة المالية ، والإفصاح عن هيكل الملكية والإدارة.
منها فصل أموال العملاء عبر إلزام الشركات بفصل أموال المتداولين عن أموالها التشغيلية ، وإخضاع هذا الفصل لتدقيق مستقل.
ومنها إنشاء سجل علني عبر منصة رسمية تُظهر الشركات المرخصة وغير المرخصة ، وتمكين المتداول من التحقق قبل التعامل.
اخيرا رفع الوعي المالي عبر تحذيرات رسمية واضحة ، وحملات توعية حول مخاطر التداول غير المنظم.
ما يجري اليوم في سوق الوساطة المالية في لبنان ليس ازدهارًا استثماريًا ، بل انكشاف خطير ناتج عن غياب الدولة وضعف الرقابة واستغلال الحاجة. ان تنظيم هذا القطاع لم يعد ترفًا، بل ضرورة لحماية ما تبقّى من أموال الناس، ولمنع تحويل الأزمة المالية من مصرفية إلى فوضى استثمارية شاملة. فالأسواق لا تُبنى بالوعود، بل بالقواعد… ولبنان بأمسّ الحاجة إلى هذه القواعد اليوم قبل الغد.



