غسان الرفاعي : رجل لم يخن تاريخه (حسن علوش)

حسن علوش – الحوارنيوز
رحل المناضل الشيوعي غسان الرفاعي.
سيُكتب عنه الكثير، عن دوره التاريخي في مؤتمرات الحزب لاسيما المؤتمر الثاني للحزب (1968) والمرحلة الخصبة التي تلته، بعد أن تم وضع معالم الهوية الوطنية والقومية للحزب، وتكريس الأسس الفكرية والنظرية والتنظيمية لنشاطه.
ولعل الراحل، كان أكثر الشباب علما ومعرفة بالأدبيات الماركسية والأكثر قدرة على تحليل الواقع سندا لأدوات تحليل علمية قادرة على تفسير الظاهرات الاجتماعية وتطور هذه الظاهرات.
ولأنه كان الأكثر جذرية بالمعنى النظري، لا السياسي فحسب، لم يخن تارخه كما فعل بعض القياديين، الذين عاصروا تلك المرحلة أو المرحلة التي تلت، وانتقلوا الى اليمين بأشكاله المختلفة لأسباب متعددة جلها نفعي ومصلحي.

فضلا عن الصياغات الدقيقة في مرحلة التقلبات، أمكن للراحل الكبير تكريس الديمقراطية كأداة أساسية من أدوات العمل داخل الحزب (داخل هيئاته) وخارجه. لا يكون حزبا شيوعيا ما لم يكن حزبا ديمقراطيا. وهو رأى في كتابات له نشرت أواخر ستينيات القرن الماضي بأن “النقاش إذا ما قام على اساس علمي وموضوعي، بين ألأطراف التقدمية والثورية حول القضايا السياسية والفكرية ظاهرة طبيعية وصحية، ويضيف في مقدمة مؤلفه السري “اليسار الحقيقي واليسار المغامر”: “أن هذه الظاهرة تكتسب أهمية أكبر، في الظروف الراهنة، لأننا نعيش، في عالمنا العربي، مرحلة من أعقد وأصعب مراحل التطور السياسي في تاريخ المنطقة، فالهجوم الاستعماري، وخاصة الأميركي، والعدوان الاسرائيلي في استمرار وتصاعد دائمين. والرجعية العربية تكشف بوقاحة أكبر تواطؤها مع المخططات استعمارية، وتنغمس بصورة علنية وسافرة في التنفيذ الفعلي لهذه المخططات. ولعل أبرز مثال على ذلك ما نلمسه في السياسة التي تتبعها الرجعية اللبنانية في الاونة الأخيرة، سواء في تنظيم المجازر الدورية ضد العمل الفدائي وطعنه في الظهر وقمع الحركة الشعبية المؤيدة له، أم في السعي لبسط الحماية الاميركية على البلاد… الخ.”
هذا الاقتباس للراحل يعكس الرؤى التي كانت لدى قيادة الحزب الشابة بعد المؤتمر الثاني والتي قادت الحزب في أصعب المراحل النضالية:
• صاغ الحزب مع القوى الديمقراطية برنامج المرحلي للحركة الوطنية القائم على النضال الديمقراطي من أجل تغيير سلمي للنظام الطائفي بالتوازي مع مواجهة الخطر الصهيوني المتمثل بقيام دولة الاحتلال على حساب فلسطين والشعب الفلسطيني.
• رفض الإلتحاق الأعمي بالكيانات الاقليمية، ومحاولة تثبيت الهوية الوطنية المستقلة للحزب وقد عبر عن ذلك بوضوع الامين العام الأسبق جورج حاوي عندما قال في المؤتمر السادس للحزب والذي جاء امتدادا طبيعيا للمؤتمر الثاني: كلاهما خطأ تجاوز الأسباب الداخلية للأزمة في لبنان ووالقفز فوق العامل الإقليمي”. إن هذه العلاقة الجدلية بين الوطني والاقليمي لا تعني التفريط في الهوية المستقلة والتي تسببت للحزب بالكثير من التوترات مع منظمة التحرير الفلسطينية التي حاولت الهيمنة على القرار الوطني اللبناني تحت عنوان وحدة المعركة مع العدو الاسرائيلي وحلفائه من جهة ومع النظام السوري الذي رأى في سيطرة المنظمة على لبنان خطرا على لبنان وعلى أمنها القومي!
• بنى مؤسسات حزبية واقتصادية واطلق المؤسسات الاعلامية بالإضافة الى المؤسسات الجماهيرية والنقابية العمالية والطلابية والمهنية لرفد النمو الديمقراطي لحركة التغيير.
• تعرض لأبشع محاولة عزل قاربت حد التصفية قوى مذهبية على خلفية الاشتباك السياسي والعسكري مع مجموعات اسلامية كانت جزءا من المشروع “العرفاتي” في لبنان ومجموعات أخرى ارتبطت بالمشروع السوري وحمايته لحصر العمل المقاوم بجهة واحدة بالإضافة الى الموساد الذي استغل كل هذه التباينات لتنفيذ حملة اغتيالات سبقت وتلت الغارة المجرمة التي استهدفت مركز الحزب في منطقة الرميلة واستشهد نتيجتها عدد من خيرة القيادة العسكرية والسياسية للحزب اذكر منهم القائدان قاسم بدران “أبو جمال” والدكتور حكمت الأمين. ولا نشك للحظة – استطراد سياقي – أن اغتيال ابو انيس جاء على خلفية دوره الكبير في قيادة المقاومة وأن المحكمة الخاصة بلبنان اعتبرت قضية اغتياله متلازمة مع قضية الحريري على خلفية دليل اتصالات ضعيف وثانوي، سيما وأن الشهيد حاوي كان قد بدأ محاولة لرأب الصدع بين مجموع القوى ذات المصلحة بمواجهة المشروع الأميركي – الاسرائيلي في المنطقة في تلك الاونة، وبدأ تحقيق تقدم في هذا السياق.
كثيرة هي المحطات التي يمكن سردها والتي تعكس حيوية الحزب وموقعه المتقدم في مواجهة المشروع الاسرائيلي في لبنان مباشرة أو من خلال أدواته المعلنة والمستترة لكن سنكتفي بما ورد لنختم بالإضاءة مجددا على الدور التجديدي للراحل الكبير غسان الرفاعي في الفكر وفي التنظيم في آن، حيث ساهم في بناء جيل من المثقفين قاد الحزب ولعب دورا هاما في اطلاق الهيئات الديمقراطية والنقابية الوطنية على غير صعيد، وحرص على قيام نقاشات مفتوحة دون ضوابط تناولت الفكر الاشتراكي والفكر الديني والأصوليات وازمة الديمقراطية في لبنان والعالم العربي، وما آلت اليه اوضاع حركة التحرر الوطني في العالم العربي …
من له مثل هذا التاريخ لا يمكن لبعض الشخصيات المتحولة أن تأخذه الى غير موقعه الطبيعي.
غسان الرفاعي لم يخن تاريخه، بقي ماركسيا وطنيا صلبا حتى الرمق الأخير، ما بدل، أعطى رأيه وجلس يتابع ويرصد ويقدم رؤاه دون أن يسمح لأحد أن يأخذه الى حيث الاساءة لتاريخه.



