منوعات

وسائل التواصل وعلم الإجتماع

 

د.فيصل مصلح

نحن نعيش اليوم في ثلاثة عوالم: العالم الأول هو العالم الواقعي أو عالم اليقظة الذي نتفاعل به مع الناس مباشرة ،والعالم الثاني هو عالم الحلم والذي نعيشه عندما نحلم. وعلى مدى آلاف السنين عاش الإنسان في هذين  العالمين حتى دخول عصر التكنولوجيا الرقمية حيث بات الإنسان يعيش في ثلاثة عوالم . والعالم الثالث هو العالم الرقمي المرتبط بالإنترنت أي العالم الإفتراضي.

في العالم الأول ،اي العالم الواقعي ،تحتاج لأن تكون صاحيا، أما في العالم الثاني اي عالم الحلم فتحتاج لأن تكون نائما أو في حالة تخيل وتأمل. أما في العالم الثالث فتحتاج لأن تكون متصلا بالشبكة connected .  في العالم الأول أنت صاحب القرار والإرادة ،وفي العالم الثاني فعقلك اللاواعي يأخذ القرار بمعزل عن إرادتك ،أما في العالم الثالث فصاحب التكنولوجيا هو من يملك القرار.

بنيت وسائل التواصل ومنها الفايس بوك وانستغرام وتويتر وغيرهم على قاعدة سيكولوجية تعود ل سيغموند فرويد Sigmund freud وهي (حاجة الإنسان لنظرة الآخر ) والتي تبدأ بإطراء الوالدين والأقارب للطفل، والتي فيما لو بالغ الأهل فيها تجعل هذا الطفل عندما يصبح شاباً يصطدم بواقع مختلف في المجتمع ما يدفعه للإنطواء والإنكفاء.

يستخدم الفرد وسائل التواصل ليحصد أكبر عدد من النظرات الإيجابية عبر إظهار مقاطع وصور مثالية عن نمط الحياة والملابس والمناسبات ولكنها في الأغلب وهمية أو مرحلية لثواني أو دقائق معدودة ولكنها تبني نظرة إفتراضية عنك ولكن هذه النظرة سرعان ما تتبدد أو تتعدل أو تتغير  عند اول احتكاك في العالم الواقعي.
بذلك تكون وسائل التواصل قد خلقت هوية جديدة هي الهوية الوهمية الافتراضية التي تظهر لحظاتك المثالية ( صور جذابة – ملابس راقية-طعام مميز-حب وانسجام أسري -عشق للطبيعة……) إلى ما هنالك من لحظات مثالية ترغب بعرضها على صفحاتك ،ولكنها تمثل أفضل ما لديك، لأن الإنسان عندما يلصق الصورة يحاكي حاجته السيكولوجية لنظرة الآخر التي يجهد لأن تكون إيجابية كما قلنا سابقاً، وهذه الهوية الإفتراضية مغايرة عن الهوية الواقعية الحقيقية التي تمثل شخصيتك الطبيعية، ولكن الهوية الإفتراضية أصبحت تؤثر على الهوية الحقيقية لتخلق هوية متناقضة وتائهة وغير سعيدة وغير مدركة في صراع نفسي بين الذات والذات.

هناك ظاهرة في الغرب تسمى nomophobia  وهي مختصر  no mobile phone وهو الشخص الذي لا يستطيع العيش بشكل طبيعي من دون هاتف، لأنه أدمن النظر والعمل والتواصل على الهاتف ،ويشعر أنه تائه وغير طبيعي دون هاتفه وهي تعرف ايضاً ب cyber addiction. تترك وسائل التواصل تأثيرات كبيرة على المتفاعلين معها وأخطر المتأثرين هم اللذين يراقبون صفحات غيرهم ونشاطات غيرهم بكثرة وبشكل يومي، ولكن من دون تفاعل وبصمت تام ،وهؤلاء أكثر ما يعانون من الإرتدادات النفسية السلبية على المدى الطويل، وهذا يعرف بالإستعمال السلبي لوسائل التواصل بعكس ما يتوقع البعض ، أما المتفاعلون دائماً عبر لصق أخبارهم وصورهم والتعليق على صور الآخرين ،فهم في حال أفضل من المراقب الصامت لأنهم أتقنوا فن الوهم ،ولكنهم معرضون دائماً لصراع نفسي مؤلم وخطير، وغالباً ما يغرقون في التفاهة والسخف.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى