سياسةمحليات لبنانية

وحدة المقاييس في خدمة إزدواجية المعايير

 


حيّان سليم حيدر

من سلالة (*) "البلد من مُرَوْكِب إلى مُكَرْبِج"-2
في البدء كان الميثاق، ومعه أدواته … ثلاثة كشاتبين صغار.

– في الإستناد إلى الدستور، يلجأ الواحد إلى مادة منه يسند بها "خابيته"، ليلجأ الثاني إلى جزء من مادة يحاججه بها، لينبري الثالث لمواجهة الجميع بجُزَيْء من القسم ثالثًا أو رابعًا من مادة "خمسينية" ما، والأمر أشبه بلعبة طاولة الزهر يتبارى عليها الأحبّاء الأخصام.  وفي حالنا هذه يلعبها الأول "فرنجية" فيما يتحرّك فيها الثاني وفقًا لقواعد "المحبوسة" ليصحّح لهما المستشار، الذي غالبًا ما يُنَظّر عليهما من فوق الأكتاف، ليُفتي بأنّ القاعدة تقضي الإلتزام بمبادىء "الدوّارة"، وما بالكم بباقي الألعاب؟  وهلّا فسّر لنا أحدٌ مَن هو الرابح في "لعبة" يلعبها الأول على قاعدة "أكبر عدد من القتل" في طريقه إلى "الأكل" ليواجهه الثاني ب"التحبيس" في سبيل التخمة نفسها، والمستشار ينصح باللجوء إلى تأمين الطرق السريعة، ما قد وصمه الصينيون على مرّ الدهور بطريق الحرير وحوّروه حديثًا إلى "الطريق والحزام"؟
– وفي لعبة "إثنين إثنين"، أي في تحديد "ما هو الميثاق"، عِلّة لبنان العليل، يقلب اللاعبون الطاولة ذاتها على قفاها (لا شك في أنّ هذا هو مصدر التعبير "قلب الطاولة") وعليها يلعب الأول الشطرنج فيما يحرّك الثاني الأحجار على قواعد "الداما"، وهكذا ليكون الحلّ مستحيلًا رغم، أو ربّما بسبب، "وقار" الأولى وشعبوية الثانية.  وتعالوا نعلن النصر لأحدهما الذي يراه في "أكل" أكبر عدد من "الأحجار- البيادق" أو لخصمه المنهمك في حماية "الملك"، ولتذهب "كْمالة العدد" إلى الجحيم؟
– أمّا في "الإستشارات المُلْزِمة" (مع الحرص الشديد والدائم والأبدي الأزلي بأن تلتصق كلمة مُلْزِمة بكلمة إستشارات، ولا أحد يعلم مُلْزِمة لِمَن) هنا ينزل الجميع إلى الملعب، فمنهم من يلعبها على أساس كرة القدم بفريق من 11 لاعبًا يواجهه فريق من 5 يلعبون على قواعد كرة السلّة، ليتسلّل الفريق الذي لا يُتقن إلّا فنون الكرة الطائرة، ومعها أموال الشعب، مواجهًا فريق "الركبي" (Rugby)، بقواعدها الأوحش قطعًا، راكبًا لجميع الموجات !  وكيف نسجّل الأهداف؟ بطابة جلدية، مطّاطية، بلاستيك، خشب.. لا فرق.  تُضْرَب بالرجل، باليد، تُدْفَع بالرأس، من أموال الشعب ؟  آخر الهمْ !  تُسجّل في إطار واسع، ضيّق، سلة معلّقة، إلى شبكة من فوق رؤوس الناس…وحقوقهم؟  ما بِهِمْ !  بمشاركة اللاعب، المدرّب، الحَكَم؟  لا بأس !  بتمويل أصحاب النادي وتعويل الأنصار والمحاسيب ؟  ما بيْسايِرْ !  المهمّ ألّا تكون مناعة للقطيع.. ولتذهب "كْمالة العدد" إلى حيث سبق تحديده. 
– وليس أخيرًا، نصل إلى معايير التأليف.  وهي غالبًا ما تُلعب بألعاب الميدان الثنائية المتبارين حيث يواجه فيها لاعب كرة المضرب لاعب كرة الطاولة، كلّ حسب "معايير" اللعبة وأدواتها، والحَكَم غالبًا ما يكون من هواة لعبة "السكواتش" (Squash)، أيّ المَمْعوس،  أمّا المُعلّق الرياضي فيخال نفسه في "ماتش" كرة الريشة والجمهور يسرح متفقدًا منبهرًا على منحيات هضبات "الغولف" (Golf).  وهكذا دواليك.  وتختلف أدوات اللعبة وقواعدها من مضارب شبكية خشبية معدنية إلى طابات كبيرة صلبة صغيرة خفيفة إلى حواجز وأشباك مرنة أو جامدة كالحائط الذي يرتطم عليه اللبنانيون كلّما إجتمعوا على طاولة حوار، ولكن الأهمّ، فليسرح الكلّ في براري تبرير التفسير.
– والحَكَم؟  ومَن الحَكَم؟  الشعب، الإعلام، الخارج، التواصليّون، الوُصوليون؟  هُمْ سرعان ما يلجأون إلى الحُكْم بقواعد هذه اللعبة، في مواجهة تلك وكلّ حسب هواه الطائفي أو التبعي الزبائني، ودائمًا، النفعي.
وتسألني: كيف يمكن حلّ مشاكلنا؟  تدور بنا الحياة منذ مئة عام و"الإستحقاقات"- الكوارث الدستورية لا تتوقّف بل تتعقّد.  أما سائر الأمور الحياتية في لبنان ومقتضياتها ومساراتها من إنهيارات لا نهاية نفق لها لا في الأخلاق (دائمًا أولًا) ولا في السياسة والإقتصاد والإجتماع وال… فنتركها كلّها لتضارب قواعد ألعاب القمار من ورق اللعب، وفي مقدّمها لعبة الثلاث ورقات، لعبتنا المُفضّلة، وسائر أدوات تعطيل "كازينو الحياة".  وتبقى المشاريع الحيوية "معطلة"، من دون حلّ، وهل نعدّد البعض القليل جدًّا والكبير حجمًا منها: الليطاني (60 سنة) والنفط والغاز (عقود ومرّت) والحروب الداخلية والخارجية، وتطبيق قانون الإثراء غير المشروع وسِنّ الإقتراع ال18 (منذ العام 1953) وغيرها ممّا تحتويه أطنان من القوانين وكيلومترات من المراسيم وتريلّيونات من قيم المشاريع المعطّلة…
والخلفية ؟ هذه ليست "سخريات من القدر" منثورة في سياق مقولة "فالج ولا تعالج" أو من وحي "على مَن تقرأ مزاميرك.."؟  لا بل بالعكس، هذه "مسرحيات من الكدر"، هي وصف للواقع الملبَّك المُضحك الملبّد المُبكي سبيلًا للتحريض، نعم التحريض، على عدم القبول بما بات "نَمَطية سلبية"، وهي مجموعة من الإعتقادات والتصرّفات التي كادت تصبح مفاهيمًا، من "مسلّمات" الحياة اللبنانية في كلّ مجالاتها والتي تشكّل موادًا دسمة لمقالات لاحقة… إن بقي لنا "لآحقًا".
والدرس ؟  لا يمكن لعب اللعبة ذاتها وترك الحرية للّاعبين بالتصرّف بالقواعد والماعيير على هواهم، فالكيل بمكيالين لن يصلح هنا… فكيف بمكيافيلّي !
والعبرة ؟   لن يمكن العودة إلى بناء دولة، ولو بحدّها البَقائي الأدنى، وكلّ جهة لا ترى في الأمر، أيّ أمر، إلّا ما يناسبها، علمًا أنّ ما تراه قد لا ينفعها هي حتى، وهي قطعًا لا تعلم.
والخلاصة ؟ لقد إنتقل العالم كلّه من سنة الوباء، 2020، إلى سنة اللقاح،2021، ولبنانك العظيم ما زال يحتفل (still celebrating) ب"سنة حلوة يا ميثاق"، الوباء اللّالقاح له، منذ العام 1920، والعُقْبى (وهي العقبة) للمئة الثانية.
.

 


(*) سبق وصدرت مقالاتي تحت "خيمة" العنوان سلسلة، غير أنّ، وعلى أثر تحوّل الوباء العالمي المُستجدّ، ومعه وباء لبنان المُستبدّ، إلى سلالة ومنه إلى سلالات يتوالد فيها العصيان على الحلّ، فاقتضى التحوّل …مع الزمن.  أمّا الرقم واحد من السلالة، فَيُنشر تباعًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى