دولياتسياسة

هل كان مكيافيلي سيصوت لدونالد ترامب؟

 

بقلم :بيتر أدامسون*
ترجمة: د/ حمدي عبد الحميد الشريف**

إحدى المفارقات المحيّرة في الأوضاع السياسية الحالية هي التأييد الحماسي الذي يتلقاه الحكام الفاسدون من الناس الطيبين. نزعم أنه لا أحد لديه فكرة طيبة عن دونالد ترامب كرجل طيب إلا دونالد ترامب نفسه. تجمع شخصيته إلى حد كبير بين أربعة آثام من أصل سبع خطايا مميتة في الفكر المسيحي، وهي: الجشع، والغضب، والغرور (جنون العظمة)، والشهوة. ومع ذلك، فإن العديد من المسيحيين المحافظين في أمريكا يعتبرون أنفسهم من أشد أتباعه ومن الموالين المخلصين له. وهم وإن كانوا لا يرضون- على الأرجح- أن يتركوه بمفرده مع بناتهم، فإنهم لا يمانعون مع هذا من وضع مقاليد بلادهم كلها بين يديه!
ما الذي يحدث إذن؟ بلا شك، ما يحدث هو نوع من أنواع النفاق. لكن الأمر ربما يحوي أيضًا جانبًا من الحقيقة- وهي أن الصفات أو الخصال التي نعجب بها عادةً ونبحث عنها لدى أصدقائنا وزملائنا قد لا تكون ذات أهمية قصوى، لكنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية لدى قادتنا السياسيين.
لا أعتقد أن تاريخ الفلسفة يقدم لنا أمثلة كثيرة لهذه الصورة، فبدءًا من أفلاطون- الذي كان يعتقد أن الدولة يجب أن يحكمها الفلاسفة- شاع داخل أوروبا وخارجها أن من مواصفات الحاكم المثالي أن يكون فاضلًا. تكررت هذه الرسالة عبر القرون في مختلف الثقافات فيما كان يُسمى بـ"مرايا الأمراء" (أو مواعظ الملوك والسلاطين)- وهي نصوص تحوي مجموعة من النصائح للحكام وقد ألّفها وصاغها العديد من الكُتّاب مثل الوزير السلجوقي الملقب بـ(نظام الملك)، والقسّ المسيحي البيزنطي المسمى "أغابيتس" Agapetus (ت: 536م)، وتلميذ توما الأكويني "جيليس رومانو" (1243-1316)، والشاعرة والكاتبة النسوية الرائدة في العصور الوسطى "كريستين دي بيزان" Christine de Pizan (1363-1430). تشرح نصوص هؤلاء- إجمالًا- كيف يمكن أن ينتفع الأمير بشكل شخصي، ويرى دولته وشعبه مزدهران لو اتّبع مجموعة من المبادئ الأخلاقية الصارمة التي تجسد روح العدالة والسخاء والرحمة.
ومع ذلك، فإن المساهمة الأكثر شهرة في هذا النوع من الأدبيات السياسية هو كتاب (الأمير) 1513 لنيكولا مكيافيلي، الذي خرج على هذه التقاليد الأخلاقية. بالنسبة لمكيافيلي، يجب على الحاكم الصالح أن يتصرف أو أن يعمل بسلوك الإنسان الشرير، وإحدى ادعاءات مكيافيلي الأساسية تتمثل في أن سمات الشخصية الخيّرة عادةً ما يمكن أن تأتي بنتائج عكسية للقادة السياسيين. ولذا يجب على الأمير "أن يتعلم كيف لا يكون خيرًا"، وأن يستعمل بشكل فعال وسائل الخداع والقسوة، وأن يؤْثِر المصلحة الخاصة التي تعود بالنفع على دولته، من أجل الحفاظ على مكانته وسلطته. ومن المعروف أن مكيافيلي يقول إنه من الأفضل للحاكم أن يكون محبوبًا ومهابًا، ولكن إذا كان عليه أن يختار بين الحب وبين الخشية والخوف، فمن الأفضل أن يكون مهابًا بدلًا من أن يكون محبوبًا.
ويقدم مكيافيلي أمثلة تاريخية يوضح من خلالها أن العطف والسماحة المفرطة يمكن أن يقودان الحاكم إلى الندم، وكيف يمكن أن تكون الوحشية غير المطلقة العنان مفيدة أحيانًا. وعلى سبيل المثال، فقد كان هناك الدوق الماكر الذي عيَّن لنفسه وزيرًا لفرض سياسات قمعية، وبمجرد أن تحققت له الغاية المقصودة، أمر بتقطيع الوزير إلى نصفين وأهدى جثمانه إلى الجمهور لنزع فتيل الاستياء والغضب الذي كان حاصلًا. وعندما يتعلق الأمر بالسلوكيات الخاصة أيضًا، يبتعد مكيافيلي عن الكُتّاب والمؤلفين الكلاسيكيين مثل شيشرون، الذي أكد على أن الحكام يجب أن يبتعدوا نهائيًا عن حرمة الجسد.. أما بالنسبة لمكيافيلي فإن هذا لم يزعجه طالما أنه لا يعوق الطموحات السياسية للأمير.
من هذه الزاوية يبدو مكيافيلي وكأنه يحلل النجاح السياسي لترامب قبل خمسمائة عام، كما هو الحال عندما يكتب مكيافيلي قائلًا: "إن الشخص الذي يتقن وسائل الخداع، سيجد دائمًا أولئك الذين هم على استعداد لأن يتقبلوا خديعته"، أو عندما ينصح الأمير بأن يشرع في قراراته وأن ينفذ مشاريعه بسرعة وبشكل غير متوقع، على نحو "يُحيِّر عقول رعاياه ويذهلهم، ويجعلهم شغوفين ومشغولين دائمًا بالتطلع إلى النتائج". هنا وبصرف النظر عن القرار الجيد، يمكن للمرء أن يتصوّر ترامب ذاته يردد كلمات مكيافيلي: "أعتقد أن التهور خير من الحذر، ذلك لأن الحظ كالمرأة، فإن أردتَ السيطرة عليها، فعليك أن تغتصبها بالقوة".
لكن مكيافيلي، من جهة أخرى، سيكون أقل إعجابًا بالرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية. فربما نصف سلوك ترامب "مكيافيليًا"؛ لكن ما توحي به هذه العبارة يبدو تبسيطًا مخلًا لتعاليم مكيافيلي. إذ أن مكيافيلي نفسه لم يهمل أو يرفض فكرة "الفضيلة" بل أعاد صياغتها بدلًا من ذلك؛ إنه ينظر إليها على أنها ليست كاتّباع للأخلاق التقليدية وإنما هي بالأحرى القدرة على الاستجابة لطبائع الخير والشر في نفوس البشر بحيث يمكن تحقيق المجد، طالما أنه يعتقد أن الهدف من القيادة السياسية الفعالة هو الفوز بالمجد لكل من القائد والدولة معًا. بالنسبة للأمير الكفوء، فإن "الشرور الضرورية" مبررة، لكن لا يمكن أبدًا اللجوء إليها أو ممارستها اعتباطًا، أو كغاية في حد ذاتها. إن الأمير مجبر على القيام بمثل هذه الأفعال الشريرة لأنه محاط بأشخاص سيئين، وضعاف النفوس، الذين هم على استعداد للانقضاض على أي ضعف من جانب الأمير أو أي تنازل قد يقوم به. ولهذا فإن الأعمال الوحشية التي دفعت إليها الضرورة يتعين القيام بها دفعة واحدة وبطريقة جيدة من جانب الأمير، وأن تقل حتى تنعدم، فلا يعود إليها من وقت إلى آخر…
هكذا كتب مكيافيلي مؤكدًا على ضرورة قيام الأمير بالأعمال الوحشية مرة واحدة وبحيث تَقِلّ مع مُضِيّ الوقت. ومتى نظرنا إلى الأسباب التي يقدمها مكيافيلي لذلك فسنجد على رأسها أن الأمير يتعين عليه ألا يكتسب أبدًا سمعة المجون، والتي قد تقف حائلًا دون تحقيق المجد لشخصه ولدولته. بدلًا من ذلك يجب عليه أن يدبر أمره بحيث تبدو من أعماله مخايل "العظمة والحيوية، والرصانة والجلد". لا ينبغي أن يحيط نفسه بالمتزلّفين والمُتملِّقين. كذلك ستكون علامة على القيادة التي ترتعد منها النفوس والأجساد لو عيّن الأمير مستشارين ثُم تخلص منهم في وقت لاحق، طالما أن قدَّم لشعبه مبررات لعدم حصافة اختياراته الأولي.
وفي ضوء هذا يبدو أن ترامب لا يسير تمامًا على نهج مكيافيلي في هذه المرحلة، وهو انطباع يتأكد لنا عندما ننظر إلى الاهتمام الذي يضعه مكيافيلي على فكرة الوحدة المدنية. فمن بين الغايات التي تبرر الوحشية لدى الحاكم عند مكيافيلي- على قلتها- هو تعزيز الوحدة بين الناس وإقامة دولة قوية. ويستشهد مكيافيلي بالزعيم القرطاجي الكبير حنبعل Hannibal (247-182 ق. م) كنموذج: ذلك أن تعامله القاسي مع جنوده، إلى جانب فضائله الأخرى، ضَمِنَ له بقاء جيشه مخلصًا وملتزمًا بقضايا شعبه. الأمير الحكيم يبغي أن يرى شعبه كله واقفًا خلفه، أو على الأقل ليس ضده. وإذا كان من الأفضل أن تكون مهابًا أكثر من أن تكون محبوبًا، فإن الأسوأ من الاثنين أن تكون مكروهًا. وعليه؛ فإن أمير مكيافيلي، أبدًا لن يستغل الانقسام بين شعبه، لأن هذا سيولد حتمًا الأعداء الذين سيخططون لإسقاطه. وهذا هو المألوف دائمًا في عالم السياسة.

الهوامش:
*بيتر أدامسون: أكاديمي أمريكي، ويعمل حاليًا في وظيفة أستاذ الفلسفة في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ، وهو مؤلف كتاب "تاريخ الفلسفة بدون فجوات" (من أربعة أجزاء).
** باحث واستاذ مادة الفلسفة السياسية في جامعة سوهاج كلية الآداب – جمهورية مصر العربية
– Peter Adamson: “Would Machiavelli Vote For Donald Trump?”, in: Philosophy Now (A Magazine for Everyone Interested in Ideas.), Issue 135 (Dec 19/Jan 2020).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى