اتصالات

هل باتت خصوصياتنا عبر الأنترنت سلعة تباع وتشترى؟

         

د.فيصل مصلح – خاص الحوار نيوز

في كل مرة أقوم بتنزيل تطبيق application على هاتفي أحاول أن أتوقف قليلاً على ما يطلبه مني هذا التطبيق ، ولكنني مثلكم جميعاً أضطر لأن أوافق على كل شروطه دون اي قدرة لي على  إبداء رأيي بشروطه تلك، أو أي قدرة لي على ايجاد حل وسط بين ما يطلبه التطبيق مني وبين ما اريده انا منه.  نحن نطلب من التطبيق ان يفيدنا بعمل معين ولكن هو يطلب منا مقابل ذلك ان يخترق كل خصوصيتنا.

يسألك التطبيق بكل تهذيب طالباً منك السماح له بالدخول إلى قائمة أرقام الهاتف  (allow me to access your contacts ) دون أن يسألك ان تحدد له الأرقام التي تود مشاركته إياها، وهو بذلك بات يعرف كل معارفك حتى أنه يرشدك لأن تتعرف على أصدقاء مشتركين معهم، ثم يطلب منك الدخول إلى كاميرة الهاتف (allow me to access your camera)  وبمجرد موافقتك تصبح مكشوفاً بالكامل امامه، فهو قادر على تشغيلها وقتما يشاء، ثم يطلب منك ان تسمح له بالدخول إلى مايكروفون الهاتف ( allow me to access your microphone) وبعد موافقتك سيصبح قادراً على سماع صوتك واحاديثك وقتما يشاء، ثم يطلب منك السماح له بالدخول إلى موقعك ( allow me to access your location)  وبمجرد موافقتك سيصبح قادرا على تحديد موقعك بدقة فائقة، ثم يطلب منك السماح له بالدخول إلى صور الهاتف (allow me to access your photos) وبعد موافقتك سيصبح أرشيف كبير من ذكرياتك بمتناول التطبيق،  وغيرها الكثير من الطلبات الأخرى التي قد يطلبها منك وربما أخطرها face scan التي تتعرف على الوجوه.

ماذا تبقى من خصوصيتنا ؟..لقد أصبح التطبيق شريك أسرارنا،  كم من الأسرار عن نفسك تعرفها انت والتطبيق فقط،  كان الإنسان في الماضي لا يسلم أسراره إلا لمن يثق بهم بقوة ويبقى رغم ذلك قلقاً على إفشاء سره، أما اليوم فالإنسان يعطي سره دون تردد للتطبيق الذي لديه القدرة أن يفشي السر لملايين البشر، كان سرك في بئر أما اليوم فسرك في فضاء رقمي غير محدود. لا تصدق أن محادثاتك هي (end to end       encrypted) أي انها مشفرة فلست انت من يملك رموز التشفير هذه.

لا شك أن سرعة تطور التكنولوجيا لا تعطينا وقتاً كافياً لنحكم عليها، وبذلك لا نرى أنفسنا سوى غارقين فيها ،وهذا أكثر ما يهددنا كبشر لأننا نتعايش مع أي تكنولوجية ذكية ولا نعود نعترف أنها ذكية ونتأقلم معها كأنها شيئ عادي وبرنامج عادي ،ولكنها بدأت تتحكم فينا عبر اعتمادنا عليها وعبر امتلاكها  لكل بياناتنا في عصر أصبحت فيه المعلومات هي العملة الجديدة للقوة والنفوذ ،وهناك سوق سوداء ناشطة لها، وانت وانا وخصوصيتنا وبياناتنا أصبحت سلعة تباع وتشترى ليس لإنتاج منتج أفضل بل لإستغلالنا بطريقة أفضل.

المشكلة الكبرى هي عندما يعجز التعليم عن مواكبة التكنولوحيا فتصبح الناس جاهلة لمخاطر هذه التكنولوجيا، والمشكلة أننا نتقبلها دون نقاش بل ونسرع لإمتلاكها وهي تسرع أكثر لتتحكم بنا.
يقول جيمس بريدل أننا إن لم نستطع أن نحسن فهمنا للتكنولوجيا الناشئة فإننا سندخل عصراً مظلماً جديداً. نعم سيأتي يوم قريب جداً وسيطلب منك التطبيق الذكي أو الألة الذكية الدخول إلى حياتك (allow me to access your life) عندها سيأخذ كل القرارات عنك لأنه أذكى منك.
لقد أظهرت دراسة علمية اجريت عام ٢٠١٧ أن وجود هاتفك الخلوي يقلل من قدرتك الإدراكية، وهنا يقول إسحق أسيموف أن أتعس ما في الحياة الآن هو ان العالم يكتسب المعرفة أسرع مما يكتسب المجتمع الحكمة.
وهنا نطرح السؤال الكبير، هل العالم أصبح أمام المعادلة التالية: كلما ازدادت التكنولوجيا ذكاءً كلما ازداد البشر غباءً وعزلةً وتعاسة؟.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى