سياسةمحليات لبنانية

لبنانيون ضد لبنان: اللبنانيون الرسميون مجموعة من المتحولين


في 16 أيّار 2019 يُصَبِّحنا كاتب رئيسي في إحدى الصحف المحلية بالعنوان التهديدي الآتي: "تحذير أميركي شديد للبنان" ويسترسل في شرحه للموضوع بالقول :"كلام أميركي ثابت ولبناني رسمي متحوِّل".   ثمّ يشرح: الثابت الأميركي مبادرة لترسيم الحدود البرّية والبحرية والتأكيد على لبنان بالنأي بالنفس وعدم السماح ل"حزب الله" أن يستعمل الدولة وقطاع المصارف للهروب من العقوبات.
وفي المتحوِّل اللبناني، رفض أولي للترسيم يراعي الخوف من أن تأخذ إسرائيل ما لا يحق لها من المساحة البحرية.
أما سائر الصحف اللبنانية فتكلّمت في الموضوع نفسه وفي نفس اليوم عن "إنفتاح أميركي …"، عن " تراجع أميركا …"، عن "الخصم والحكم…"، عن "تراجعًا أميركيًّا-إسرائيليًّا …" ودائمًا في عناوينها الثانوية.
وبغضّ النظر عن الإختلاف في توصيف الوضع في سائر الصحف كلّ حسب توجهاتها، وبالعودة الى الصحيفة المستَهدَفة نلاحظ الآتي:
في الشكل، وهو "المضمون عندما يطفو الى السطح" يقول السياسي البريطاني المتميّز (1)،                 العنوان يهدف الى: 1- تخويف اللبناني، 2- إعطاء الأميركي الحقّ، غير الخاضع للنِقاَشْ، في إملاء إرادته على لبنان (وبالأصحّ إرادة العدو الإسرائيلي)، ثمّ  3- القول أن الأميركي ثابت في مواقفه "المدروسة" ، هو ثابت، أمّا اللبناني، فمتردِّد، متغيِّر، ضائع، والرسمي منه فَمتحوِّل (2).
وفي شكل الصياغة أيضًا: يضع الكاتب "حزب الله" بين هلالين تماهيًا مع التوجّهات (بل التوجيهات) الصهيونية العالمية والتزامًا بلائحة الإرهاب الإستنسابية والظرفية الأميركية، وفي نفس الجملة يُسقط المزدوجين عن إسم "إسرائيل" قبولًا منه "طبيعيًّا" بدولة العدو الغاصبة (العدو بحسب الدستور اللبناني الى حين) وتطبيعًا "حضاريًّا" مع العدو وتشجيعًا، بالتالي، لمزيد من العدوان على لبنان واللبنانيّين.  ولو؟؟  و..لو صُوَرِيًّا.. بعضًا من الوطنية، من العزة والكرامة !.  أين السيادة والإستقلال؟ (3).  أما
في المضمون:  1- يرد موضوع الترسيم، البرّي والبحري، وكأنّ لبنان هو المعتدي على الغير. ويجدر التذكير، أن العدو غير مُعْتَرَفْ به من قبل لبنان الرسمي  ما زال، وبالتالي، وبمفهوم القانون الدولي وقانون الدولة، فلا موجب للبنان تجاه هذا العدو وتجاه كلّ سلطة مغتصبة ناطقة بلسانه بما في ذلك القوة العظمى الأولى المعروفة "بأميركا" (وهو بالمناسبة إختصار جائرٍ لإسم القارة جمعاء زورًا).  2- في عبارة "أن يستعمل الدولة"، والمعني هو جزء من الدولة، بل جزء سياسي وجماهيري وحتى طائفي وازن منها، وتُناط باللبناني حصرًا، السيّد نفسه، مهام تفسير كلمة يستعمل وليس بالغريب مهما كبر شأنه.  3- في موضوع الهروب من العقوبات، فلبنان لم يطالب بالعقوبات أصلًا بل يرفضها، على الرغم من حياء مسؤوليه المتكتّمين المكتومين، وبالتالي لبنان واللبنانيون غير معنيّين بموضوع الهروب من إجراءات لا قانونية، لا شرعية لم يطلبوها بل يرفضونها.  وأمّا في موضوع النأي بالنفس، فكلّ يحدّث بلا حرج.
وفي اليوم التالي، في يوم الإتفاق الأَيّاري المشؤوم (17 أيّار)، تعود الصحيفة إلينا بعنوانها الرئيس:"لبنان ينتظر ساترفيلد"، فيما باقي العناوين الرئيسية تتصدر صحفها بخبر المواكب المهيبة المتوجهة الى دفن كبير قوم في جو حداد وطني، أو بالتمريرات المريبة في مواكب المتلاعبين بلقمة عيش اللبنانيّين  من طريق موازنة الدولة..
وفي اليوم الثالث، يتصدر العنوان من جديد "أميركا تدعم لبنان.." في إشارة الى تقديمات الجيش الأميركي من طائرات (لإبادة الحشرات) وآليات مدرّعة (من نوع "الهامفي" المنتهية مدّتها في الخدمة في العراق أو الأردن أو أفغانستان أو ألمانيا) أو المدافع والذخيرة (التي تصغر عن قوة مدافع مافيات لبنان "الشرعية") أو التدريب العسكري (ويُدرّس فيها العقيدة الوطنية مرتزقةٌ من العالم، خرّيجو "بلاكواتر" المتحوِّلة أبدًا).  وبعدها نقرأ: "تطمينات أميركية حول الحدود البحرية ..".  وفي اليوم الرابع أيضًا: "بانتظار عودة ساترفيلد .." وبعدها "أميركا تحذّر .." حتى الإشباع أو الثمالة أيّهما يسبق.
لا.. يا جماعة ، لبنان لا ينتظر أحد.
لبنان مشْ سائل أصلًا … عن حالِهِ ليسأل عن الذي "عَوْكَرَ" الجو في لبنان من أساسه من خلال إحداث الإنقسام السياسي العامودي فيه.  لبنان مشْ فاضي لا لهذا أو لذاك.  لبنان فاضي .. من كلّ إهتمام.. بأيّ شيء.  لبنان لم يعدْ ينتظر إلّا … الويلات من حكّامه الذين ، مع إرتكاباتهم المتدحرجة، ينطبق علينا المثل الإنكليزي القائل: "مع هكذا أصدقاء فأنت لست بحاجة الى أعداء".               
فما بالكم تذكرون ساترفيلد وأميركا و"إسرائيل" وغيرهم كلّ يوم؟  نحن قوم من ذوي الإكتفاء الذاتي من التعذيب والمعذّبين والعذاب !.. أما أنتم؟ كفاكم تقديم فواتير غير مطلوبة وغير قابلة للتسديد الى جهات شِكّاتها باتت من دون رصيد.  كفاكم العيش في زمن قد ولّى.  تعالوا، شاركونا حفل التذاكي على مفاهيم الإصلاح ومواصفات الفساد وتعاليم الترشيق ومبادىء الترشيد وفذلكات التقشّف.  تعالوا الى حيث التكاذب بأَسْلَمْ وسائل الحوكمة وأبدع آليات الشفافية، ودائمًا، بأبرع المناظرات الخطابية.
تعالوا الى حيث ساترفيلد لا ينفع !
بيروت في 19 أيّار 2019م.                                                            حيّان سليم حيدر.
                                                                                       مواطن لبناني … قيد التَيْئيس.
(1) وينستون تشيرشل
(2) مُتَحَوِّل =mutant 
(3) وهذا يندرج تحت عنوان الخيانة العظمى بحسب أبسط الدساتير والقوانين الإنسانية من حيث تحريض العدو على السيادة الوطنية، أرضًا وبحرًا وحقوقًا وأفكارًا وإيحاآت..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى