سياسةمحليات لبنانية

في رحاب عاشوراء كانت المقاومة قبل 37 عاما

 

كتب محمد هاني شقير:
لعاشوراء هذا العام حكاية مختلفة بالزمان والأمكنة، فجائحة كورونا منعت إقامة المجالس العاشورائية في الساحات. كما صدف هذه السنة مع جوائح وطنية شاملة، اقتصادية وسياسية ونقدية وسلطوية. زد على ذلك انتفاضة الشعب اللبناني وما رافقها من تداعيات وتساؤلات وتداخلات بدأت ولم تنته حتى يومنا هذا.
ولكون المناسبة تخلو اليوم من مشاهد تعودنا عليها جميعًا في ذاكرتنا الجمعية والفردية، فإننا سننشد العودة الى 37 سنة خلت، وتحديدًا الى عام 1983، حين كان العدو الاسرائيلي لا يزال يحتل مدنًا وقرى جنوبية كثيرة، ومن بينها مدينة النبطية. نعرف جميعًا كم تسمو قيّم ثورة الامام الحسين في ساحة هذه المدينة وبخاصة عند مناسبة ذكرى عاشوراء، حيث يحيي الجنوبيون واللبنانيون الذكرى بكثيرٍ من التماهي والتحابب والتعاطف والتعاضد مع أحقية الحركة الحسينية المناهضة للتسلط والتعسف والفساد.

لقد كان الاحتلال جاثمًا فوق صدور اللبنانيين وبخاصة الجنوبيين الذين لم يكونوا قد خرجوا بعد من مرحلة ما قبل الاجتياح عام 1982، وكانت ظروفهم لا زالت راكدة ولم تنشط حركة المقاومة لدى جميع الفصائل التي انضوت رويدًا رويدًا في حركة مقاومة شاملة. في هذه الظروف الملتبسة كان خيار الحزب الشيوعي وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بأن يُصار الى جعل المناسبة فرصة حقيقية لفعل نضالي من نوع آخر، فعل يكون موجهًا ضد قوات العدو، يجسد فيه المواطنون الذين يحتشدون بعشرات الآلاف في ساحة النبطية، لحضور المسرحية التي تحكي قصة الحسين مع الظالم، ثورة الامام الحسين ضد الباطل، فينتفضون بكامل مخزونهم الديني الكامن في صدورهم وعقولهم، ضد جيش العدو الذي كان يتواجد في مدينة النبطية حينها. 
يومها حانت الفرصة لملحمة بطولية تشعل فتيلها مجموعة من الشيوعيين.  أحد قادة غرفة عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية المركزية في ذلك الحين،  تحدث عن قرار الجبهة بجعل ذكرى عاشوراء نقطة مفصلية في مواجهة العدو، فجرى تشكيل ٣ مجموعات زود أفرادها بسلاح كلاشينكوف وقنابل يدوية، ولكل مجموعة مهمة محددة بالمكان والزمان بدقة متناهية، ولا تعرف بعضها بعضًا، بحيث تنفذ مهماتها لتتكامل في لحظة واحدة مع بعضها. تمركرت المجموعتان الأولى والثانية في سوق الخضار وعلى طريق زبدين النبطية والثالثة داخل النبطية شمال غربي النادي الحسيني. وقامت المجموعتان الأولى والثالثة برمي القنابل داخل عربات جنود العدو التي إشتعلت فيها النيران وبدأت الانتفاضة الشعبية العارمة فأصيب عشرات المواطنين بجروح، وفيما إستشهد المقاوم سهيل حمورة – وهو ابن المرحوم حسين حمورة الذي كان منتسبًا في السبعينيات الى قوات الحرس الشعبي التي أسسها الحزب لمواجهة العدو الاسرائيل- فإن هذه العملية أسفرت عن مقتل 8 جنود إسرائيليين على الأقل وجرح حوالی ۲۰ آخرين.
وهنا من المفيد العودة الى بعض ما ورد في رواية الصحافي كامل جابر الذي كان في الساحة يومها حيث وثّق الانتفاضة بالتفصيل فكتب: "كنت وصديقي نتظلل فيء شاحنة في ذاك النهار العاشورائي "العاشر"، في ساحة عاشوراء النبطية وبالقرب من حسينيتها، لحظة سمعنا أزيز الرصاص. تراكض الناس في كل اتجاه، بين صراخ وهلع، وبين مكبّر ومقاوم، تدافعوا باتجاه دخان بدأ يتصاعد من وسط تلك الدورية التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي التي دخلت إلى ساحة عاشوراء".
ويضيف جابر :" دخان يتصاعد من الآليات المختلفة التي احترقت بكاملها. ومن المؤكد أنها لم تحترق من تلقاء نفسها، بل من ثلة مقاومين ومشاركين في عزاء الإمام الحسين، في اليوم العاشر الذي تتميز به مدينة النبطية.
وتابع: لاذ الجنود بالفرار نحو جبانة النبطية المحاذية للنادي الحسيني وسط هلع وإطلاق كثيف للرصاص، وقد سقط منهم من سقط بين قتيل وجريح، وبالطبع في انتظار وصول المساندة العسكرية. يصرخ الأستاذ حسن كحيل عبر مذياع المسرح وكان يؤدي حينها دور الإمام الحسين في المشهدية: "الآن استشهد الحسين"، في إعلان مبكر عن انتهاء المراسم بسبب ما يحدث في ساحة المدينة. بين كرّ وفرّ انكشف الدخان عن خسائر فادحة تكبدها جيش العدو في ساحة عاشوراء النبطية، وكذلك عن مقاوم عشريني شهيد هو سهيل حمّوره (1963- 1983) من بلدة ميس الجبل، مناضل في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمّول" وفي صفوف الحزب الشيوعي اللبناني.
في مثل هذه الأيام وفي ذكرى عاشوراء نتذكّر ابن بلدة ميس الجبل الشهيد  سهيل حمّورة الذي عرف الطريق الصحيح ومارس فعل إيمانه بالتضحية وبالشهادة في سبيل قضية حق لا تموت. 

ولا شك أن ابناء بلدة النبطية وابناء منطقتها وابناء المقاومة وفصائلها يتذكرون هذه العملية التاريخية ويجمعون على وجوب تخليد ذكراها بما تستحق من تخليد وتكريم.
الف تحية ووردة لروحه ولأرواح كل الشهداء المقاومين على امتداد الوطن وعلى اختلاف ألوانهم وانتماءاتهم..وكلنا أمل أن يصل النقاش الذي كان قد بدأ بين شقيق الشهيد حمورة مع رئيس بلدية النبطية والأمل أن تنفذ الرغبات، ويصار الى تخليد اسم الشهيد سهيل حمورة في ساحة عاشوراء في النبطية، ويستجيب لصوت التاريخ الصادق، بخلاف من يغيّبون وعيهم عنه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى