رأي

رأس المال لا تحكمه الأخلاق والأنسنة

 

وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله التبرع الذي قدمته المصارف اللبنانية للحكومة ،والمتمثل بستة ملايين دولار فقط ،بأنه تصرف معيب ،إنطلاقا من حقارة هذا المبلغ في مقابل الأرباح التي حققتها المصارف خلال السنوات الماضية ،والمقدرة بعشرات المليارات من الدولارات.
السيد على حق إنسانيا وأخلاقيا.لكن السيد يعرف كما يعرف الكثيرون ،أن رأس المال لا تديره الأخلاق ولا الإنسانية ،إنما المصالح ..والمصالح فقط،وأن النظام العالمي الذي يعتمد على رأس المال لا يعرف إلا لغة الأرقام .
كثير من الأنظمة العالمية والحكام فشلوا في إدارة بلادهم ،والأصح أنهم أُفشِلوا ،لأنهم اعتمدوا الأخلاق سبيلا لإدارة السلطة.فالمصالح الاقتصادية فوق كل اعتبار في نظر الأنظمة والمؤسسات الرأسمالية ،حيث لا مكان للرحمة والتراحم في علم الاقتصاد السائد ،إلا في ما ندر.
يُعتبر حكم الإمام علي بن أبي طالب خلال السنوات الخمس التي قضاها على رأس السلطة ،نموذجا للحكم العادل ،وهو الذي اعتمد شعار :"الناس صنفان ،إما أخ لك في الدين ،أو نظير لك في الخلق"،وهو الذي لم يكن يطيب له مأكل أو مشرب وفي أقاصي خلافته جائع واحد.وهو القائل "ما ذهب الجوع الى بلد إلا وحل الكفر معه".وهو الذي نهل عدالته من معلمه الأول رسول الرحمة محمد بن عبد الله.ومع ذلك قُتِل الإمام علي على يد طغمة فاسدة رفضت التخلي عن مكاسبها ومصالحها الاقتصادية ،ولم يُقتل على يد الخوارج حنقا وغضبا.وكذلك قُتل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز.قتله الفاسدون حينما حاول إصلاح ذات البين في الدولة.والأمثلة في التاريخ أكثر من أن تُعد وتُحصى.
الناس في نظر الأنظمة السياسية التي تعتمد المصالح الاقتصادية نهجا ومنهجا ،هم مجرد أرقام ،تنقص أو تزيد،لا فرق في ذلك.وليس غريبا في زمن الكورونا اليوم أن تنتشر في الغرب سياسة "مناعة القطيع" ،ومؤداها أن البقاء يجب أن يكون للأقوياء وليس للضعفاء ،خاصة كبار السن الذين لا ينتجون،وهي النظرية الحقيرة التي أنتجها توماس روبرت مالتوس في القرن التاسع عشر ،وهو باحث إقتصادي إنكليزي.  
ربما لهذا السبب يفشل النظام العالمي اليوم في مواجهة جرثومة حقيرة غير مرئية.فعندما يتخلى النظام العالمي عن الأخلاق في إدارة السلطة ،يغدو انهيار هذا النظام أمرا طبيعيا جدا .
في الخلاصة ليست هذه المقالة تبريرا ،إنما هي عرض لواقع الحال.والعالم بات فعلا بحاجة لنظام عالمي جديد تحكمه الأخلاق ،بعدما فشل النظام العالمي القائم ،ليس فقط في إدارة شؤون البشرية ،بل أمام جرثومة حقيرة نجح العلم  في تسميتها ،وأخفق في مواجهتها حتى الآن.


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى