رأي

من يُسمح له بالحياة؟ (إبراهيم عميس) 

 

كتب د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز

كلما نظرت إلى جنوبي الحبيب، ورأيت ما يحلّ به من دمار وتفتيت من جهة، وما يحيط به من صمت ولامبالاة من جهة أخرى، وجدت نفسي مضطرًا إلى الخروج من معمعة الأسئلة اليومية: مَن فعل هذا؟ ومَن بدأ؟ ومَن كان السبب؟ فاختزال ما يحدث في علاقة مباشرة وساذجة بين علة ومعلول لم يعد تفسيرًا يقبله عقل يتأمل المشهد بعمق. لذلك آليت على نفسي أن أكتب هذه السطور، لا لأدّعي امتلاك الحقيقة، بل لأحاول أن أفهم ما يجري من حولنا، ولعل آخرين يشاطرونني هذا التساؤل ويكملون معي رحلة البحث عمّا يحدث لنا، ولماذا؟

 

فكلما أمعنتُ النظر في المشهد العالمي وما يشهده من تحولات وصراعات، وجدتُ أنه لم يعد مقنعًا من الناحية الفكرية أن نقبل بأن ما نشهده اليوم من دمار تحرّكه فقط الأسباب  الأيديولوجية والدينية والعرقية والإقليمية التي تُقدَّم لنا مرارًا وتكرارًا.

 

قد تنطوي هذه التفسيرات على شيء من الحقيقة. فالحروب ترتبط بالفعل بالحدود والموارد والأمن والتاريخ والهوية والطموحات السياسية المتنافسة. لكن عندما تستمر الصراعات في بعض المناطق عقودًا، مخلفةً موتًا لا ينتهي، وانخفاضًا في متوسط الأعمار، ودمارًا وتهجيرًا وهجرةً قسرية وتطهيرًا عرقيًا، يصبح من الضروري أن نسأل: هل تصف هذه التفسيرات المألوفة الأسباب الحقيقية، أم أنها لا تمثل سوى السطح الظاهر لشيء أكبر بكثير؟

 

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا ببساطة: من بدأ الحرب؟

 

بل أصبح أيضًا: موت مَن يكون النظام الدولي مستعدًا لتقبّله، وحياة مَن يقدّرها إلى درجة أن إصابة شخص واحد قد تدفع العالم إلى حافة حرب مدمرة شاملة؟

 

نكاد نشهد هذا التدرّج في قيمة الإنسان يوميًا. ففي جزء من العالم، قد يُقتل المئات أو الآلاف أو يُصابون أو يُجوّعون أو يُهجّرون، من دون أن يحظى ذلك حتى بإشارة تُذكر. تتحول وفياتهم إلى أرقام، إن جرى إحصاؤهم أصلًا. ويصبح عذابهم أمرًا اعتياديًا، ويتحول تدمير مجتمعاتهم إلى ضجيج خلفي في المشهد الدولي.

 

وفي مكان آخر، قد تتصدر إصابة شخص واحد أو وفاته العناوين، وتستنفر الحكومات، وتؤدي إلى فرض عقوبات واسعة، وتتحول إلى مبرر لردّ انتقامي مدمر.

 

إن هذا التفاوت متكرر ومنتظم إلى درجة يصعب معها اعتباره مجرد مصادفة. فهو يكشف أن النظام الدولي القائم لا يمنح جميع الأرواح البشرية القيمة ذاتها. فبعض الوفيات تُعامل بوصفها مآسي تستوجب المساءلة، بينما يُتقبّل بعضها الآخر باعتباره ثمنًا مؤسفًا، لكنه مقبول، من أثمان التاريخ.

 

لماذا؟

 

ما القاسم المشترك الذي يقف خلف هذا التقييم الانتقائي لحياة الإنسان؟ وما الذي يحدد أي الشعوب ستحظى بالحماية، وأيها ستُهجّر، وأيها قد تُدمّر من دون عواقب ذات شأن؟

 

إذا تناولنا كل صراع من خلال ظروفه المباشرة وحدها، فإننا نخاطر بالضياع في ضباب الفوضى. ويجري دفعنا إلى التركيز على الهجوم الأخير، والرد الأخير، والخطاب الأخير، والتبرير الأخير. فنناقش مَن أطلق النار أولًا، ومَن انتهك أي اتفاق، وأي مظلمة قديمة يُفترض أنها تفسر الكارثة الراهنة.

 

ولكن ماذا لو كان هذا التركيز الضيق يمنعنا من رؤية النمط الأكبر؟

 

عندما ينغمس الناس في تفاصيل الصراعات المنفردة، نادرًا ما يتراجعون خطوة إلى الوراء ليسألوا عما تحققه هذه الصراعات مجتمعة. وقد يؤدي تشتيت انتباهنا إلى منعنا من دراسة البنية العالمية التي تنشأ في داخلها هذه الحروب، وتستمر، وتتكرر، وتبقى من دون حل.

 

يقال لنا إن حربًا تدور حول قطعة أرض، وأخرى حول حقل نفط، وثالثة حول الوصول إلى منجم، ورابعة حول المعادن النادرة أو الدين أو العِرق أو الأمن القومي. ولا شك في أن الأرض والموارد مهمتان، وأن الدول تنافست عليهما دائمًا.

 

ولكن هل يكفي أن نعتقد أن التدمير المستمر لمجتمعات بأكملها، وقتل أجيال متعاقبة، وإفراغ المدن، وتهجير الملايين، وإحداث تغييرات دائمة في التركيبة السكانية، ليس سوى نتيجة غير مقصودة لنزاعات حول الأرض أو الموارد الطبيعية؟

 

يبدو هذا التفسير ناقصًا بصورة متزايدة.

 

ثمة سؤال أصعب يجب طرحه: هل هذه الصراعات مآسٍ منفصلة، أم أنها تعبيرات مختلفة عن تحول عالمي أوسع؟

 

لعل الهدف لا يقتصر على السيطرة على قطعة معينة من الأرض أو الاستحواذ على مورد محدد. وربما يدور الصراع الأعمق حول كيفية تنظيم المستقبل نفسه: مَن سيمتلك موارده؟ مَن سيسيطر على تقنياته؟ مَن سيعيش في أكثر مناطقه قيمة؟ وأي الشعوب سيُنظر إليها على أنها نافعة، أو قابلة للإدارة والسيطرة، أو قابلة للتضحية بها، أو لم تعد هناك حاجة إليها؟

 

لا يقتضي ذلك أن نفترض أن كل حرب تتحكم فيها جهة خفية واحدة، أو أنها تُدار وفق خطة مركزية موحدة. فهذا ادعاء يحتاج إلى أدلة لا نملكها. لكن غياب مركز قيادة واحد لا ينبغي أن يمنعنا من إدراك وجود مصالح متلاقية.

 

قد تسعى الحكومات والشركات والصناعات العسكرية والمؤسسات المالية والقوى التكنولوجية والنخب السياسية إلى تحقيق أهداف مباشرة مختلفة، لكنها قد تُنتج مجتمعةً النتيجة ذاتها: تركز الثروة، وتهجير وتفتيت الشعوب التي ليست هي بالحسبان، وإضعاف المجتمعات، واستدامة الصراعات، وبالنهاية تصاعد التدرج الهرمي في القيمة الممنوحة لحياة الإنسان الذي يحكم.

 

فالنمط يظل مهمًا حتى لو لم يكن هناك طرف واحد صمّم الصورة بأكملها.

 

لذلك، يجب أن نفكر فيما يتجاوز التفسيرات المقدمة لكل أزمة منفردة. علينا أن ننظر إلى الأمور عالميًا وتاريخيًا وبنيويًا. وألا نسأل فقط عمّن يستفيد من حرب معينة، بل عن شكل العالم الذي يجري بناؤه من خلال الآثار التراكمية لهذه الحروب جميعًا.

 

مَن يفرض سيطرته؟

 

مَن يفقد سيادته؟

 

مَن يُجبر على الهجرة؟

 

مَن يُسمح له بإعادة البناء؟

 

مَن يحصل على الحماية والطب المتقدم والوعد بحياة أطول؟

 

ومَن يُترك في مواجهة القصف والجوع والإدمان والسجن والمرض والتلوث البيئي والموت المبكر؟

 

ليست هذه مجرد أسئلة جيوسياسية، بل هي أسئلة تتعلق بالتصنيف الأخلاقي للبشرية.

 

في المقالات المقبلة، سأتناول سلسلة من التحولات المترابطة: الحروب الممتدة، وعدم المساواة الاقتصادية، وتراجع معدلات الإنجاب، وارتفاع تكلفة تكوين الأسرة، والاتوماتيزم، والذكاء الاصطناعي، والإدمان، والسجن، والأوبئة، وتهجير السكان، والتركيز التدريجي للثروة والسلطة داخل نظام عالمي يزداد خضوعًا لحكم القلة.

 

لا أدّعي أنني أمتلك إجابة بسيطة، ولا أهدف إلى استبدال نظرية جامدة بأخرى. إنما أحاول تجاوز حدود التفسيرات التقليدية ودراسة ما إذا كانت أحداث تبدو منفصلة تتحرك بالبشرية نحو وجهة مشتركة.

 

وفي صميم هذا البحث يقف سؤال واحد، قد يرسم المستقبل السياسي والاقتصادي والأخلاقي لجنسنا البشري:

 

مَن يُسمح له بالحياة؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى