تركيا ولبنان: شراكة لا وصاية (الشيخ عباس الجوهري)

بقلم الشيخ عباس الجوهري – الحوارنيوز

تعود تركيا إلى لبنان في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة. زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا، ثم زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى أنقرة ولقاؤه الرئيس رجب طيب أردوغان، وما رافق ذلك من حديث عن التعاون الاقتصادي والأمني ودعم الجيش اللبناني، كلها مؤشرات إلى اهتمام تركي متزايد بلبنان.
وإذا تأكدت الزيارة المرتقبة لرئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية الدكتور إبراهيم كالين إلى بيروت، فإنها ستضيف بعداً آخر إلى هذا الحضور، ولا سيما أن الدكتور كالين يتابع بحكم موقعه ملفات المنطقة، وفي مقدمها سوريا ولبنان.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون ليس فقط ماذا تريد تركيا من لبنان؟
بل أيضاً: ماذا يريد لبنان من تركيا، وكيف يمكن تحويل الاهتمام التركي إلى شراكة حقيقية تخدم مصالح البلدين؟
أطرح هذا السؤال من موقع تجربة شخصية مع تركيا تعود إلى أكثر من خمسة عشر عاماً.
تركيا التي عرفتها
بدأ اهتمامي بالتجربة التركية في مرحلة كان فيها حزب العدالة والتنمية، ذو الخلفية الإسلامية، يقدم تجربته في الحكم باعتبارها تجربة
تركية خاصة، لا نموذجاً معداً للتصدير.
كان ما يلفتني هو كيفية انتقال حزب ذي جذور وخلفية إسلامية إلى الحكم، وكيف استطاع في مرحلة معينة أن يجمع بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والانفتاح على العالم، وأن يعيد صياغة العلاقة بين المرجعية المحافظة والدولة والمؤسسات الديمقراطية. لم أفهم التجربة التركية يوماً على أنها نموذج إسلامي جاهز للتصدير إلى لبنان، بل تجربة سياسية تركية نشأت من خصوصية المجتمع
التركي وتاريخه ومؤسساته، ويمكن للآخرين أن يتعلموا منها من دون أن يستنسخواها.
في أحد المؤتمرات التي شاركت فيها حول التجربة التركية، تعرفت إلى الدكتور إبراهيم كالين كان يومها شخصية فكرية وسياسية ومستشاراً بارزاً لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ذا خلفية أكاديمية وثقافية واضحة.
تطورت المعرفة، والتقيته لاحقا في مكتبه في رئاسة الوزراء في أنقرة، ثم في لقاء آخر في إسطنبول.
مختلفة
لكن ما بقي في ذاكرتي من تلك المرحلة ليس كالين وحده، بل مجموعة من المشاهد التي جعلتني أنظر إلى التجربة التركية من زاوية
حين يأخذ الحزب الحاكم ضيفه إلى خصمه
خلال إحدى الزيارات، اصطحبنا منظمو المؤتمر إلى مقر حزب العدالة والتنمية الحاكم، ثم إلى مقر حزب الشعب الجمهوري المعارض. استوقفني الأمر كثيراً.
كان يمكن لمنظمي المؤتمر أن يكتفوا بعرض وجهة نظر الحزب الحاكم، لكنهم أرادوا لنا أن نسمع أيضاً من المعارضة وأن نتعرف إلى خطابها ونظرتها إلى التجربة التركية.
كان المشهد بالنسبة إلى درساً في السياسة الخصومة لا تعني بالضرورة العداء، والاختلاف لا يستوجب إلغاء الآخر.
ثم زرنا البرلمان التركي والتقينا رئيسة لجنة العلاقات الخارجية. وكان موضوع الحجاب آنذاك يشغل حيزاً واسعاً من النقاش العام.
استوقفني أن امرأة غير محجبة كانت تدافع عن حق المرأة المحجبة في الاختيار.
لم أر في ذلك قضية حجاب فقط بل رأيت معنى أوسع للحرية أن أدافع عن حق المختلف معي، حتى عندما لا أشاركه اختياره. وهذه الفكرة بقيت معي طويلاً، لأنها تمس واحدة من أعمق أزمات الحياة السياسية اللبنانية: نحن لا نعاني فقط من اختلافاتنا، بل من عجزنا عن إدارة هذه الاختلافات.
سوريا لحظة أخرى في التجربة
كانت إحدى زياراتي إلى تركيا في بدايات الأحداث السورية عام 2011.
زرنا وزارة الخارجية التركية، وهناك رأيت بأم العين الأخبار والبرقيات العاجلة القادمة من سوريا تصل تباعاً، وكيف كان المسؤولون يتابعونها ويتعاملون معها.
كان واضحاً لنا أن سوريا لم تكن بالنسبة إلى تركيا أزمة بعيدة، بل قضية تمس أمنها وحدودها ومستقبلها الإقليمي.
وفي تلك المرحلة تعمق الحوار بيني وبين الدكتور إبراهيم كالين حول ما يجري في سوريا، وكانت هناك مساحة مشتركة في ضرورة احتضان الشعب السوري ورفض القمع والدفع باتجاه الإصلاح.
ثم تغيرت المنطقة.
دخل حزب الله الحرب السورية إلى جانب النظام، وتعقدت الاصطفافات، وتحولت سوريا إلى ساحة رئيسية للصراع الإقليمي. أما موقفي من حزب الله فلم يبدأ مع الحرب السورية. كنت معارضاً للحزب منذ نحو ثلاثين عاماً، لكن معارضتي لم تكن عدوانية ولم تكن ضد البيئة الشيعية.
كان همى الإصلاح من داخل البيئة الشيعية، لا استهدافها.
وهذه نقطة أساسية في رؤيتي للبنان: الإصلاح لا يعني كسر المجتمع، وبناء الدولة لا يعني إذلال طائفة.
لماذا تركيا الآن؟
بعد خمسة عشر عاماً، تعود تركيا إلى لبنان في ظروف مختلفة تماماً.
المنطقة تتغير، وسوريا تعيد تشكيل موقعها، والجنوب اللبناني يعيش مرحلة دقيقة، ولبنان يحاول إعادة تثبيت الدولة ومؤسساتها. ومن الطبيعي أن تبحث تركيا عن موقع لها في هذه التحولات.
فلتركيا مصالحها وأمنها القومي وعلاقاتها العربية وموقعها في شرق المتوسط ومصالحها الاقتصادية. لكن للبنان أيضاً مصالحه. ولهذا لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: هل نريد الدور التركي أم لا؟ السؤال الصحيح هو كيف نريد أن يكون الدور التركي؟
تركيا ليست بديلاً عن أحد
أخشى أن يقع لبنان في خطأ متكرر أن ينظر إلى كل دولة تدخل المشهد اللبناني باعتبارها بديلاً عن دولة أخرى. لبنان لا يحتاج إلى استبدال محور بمحور.
لقد دفعنا ثمناً غالياً عندما تحول بلدنا إلى ساحة لتنافس الآخرين.
ما نحتاجه هو شبكة واسعة ومتوازنة من العلاقات، يكون مركزها الدولة اللبنانية ومصلحتها الوطنية. ومن هذه الزاوية، يمكن لتركيا أن تكون شريكاً مهماً.
ليس لأن لبنان يريد قوة خارجية تحميه، بل لأن تنويع العلاقات الدولية والإقليمية يمكن أن يعزز قدرة الدولة اللبنانية على الحركة والمناورة وتحقيق مصالحها.
ماذا تريد تركيا من لبنان؟
من الخطأ النظر إلى الدور التركي باعتباره عملاً خيرياً أو مجرد تعاطف تاريخي تركيا دولة لها مصالح.
هي معنية باستقرار لبنان، والعلاقة مع سوريا، وبأمن شرق المتوسط، والاقتصاد والتجارة، وموقعها في العالم العربي.
وهذا طبيعي ومشروع.
لكن لبنان يستطيع أن يقدم لتركيا أكثر من مجرد مساحة نفوذ.
لبنان يستطيع أن يكون جسراً بين تركيا والعالم العربي، وشريكاً اقتصادياً وثقافياً، ومساحة للحوار، وبوابة إلى المتوسط العربي.
وهذه قيمة ينبغي للبنانيين أن يدركوها.
وماذا يحتاج لبنان من تركيا؟
لبنان يحتاج إلى تحويل الكلام السياسي إلى مشاريع ومصالح ملموسة.
يمكن لتركيا أن تكون شريكاً في الطاقة والبنى التحتية والنقل والصناعة والتجارة والسياحة وإعادة الإعمار.
كما يمكن أن تلعب دوراً في دعم الجيش والمؤسسات اللبنانية، وفي المساعدة على تثبيت الاستقرار، شرط أن يتم ذلك من خلال الدولة اللبنانية و بقرارها.
وتملك تركيا أيضاً قدرة على التواصل مع أطراف متعددة في المنطقة، وهو أمر يمكن أن يكون مفيداً للبنان في الملفات المرتبطة بسوريا والاستقرار الإقليمي.
وهنا يمكن أن يكون الدور التركي أكثر فائدة عندما يكون جسراً بين الأطراف، لا طرفاً جديداً في الصراع.
الجنوب هو الاختبار
الحديث عن استعداد تركيا للمشاركة في ترتيبات أمنية مستقبلية في لبنان يجعل الدور التركي أكثر حساسية المساعدة التركية يمكن أن
تكون مفيدة إذا توافرت شروط واضحة
أن يكون القرار لبنانياً، وأن يتم أي تعاون ضمن مؤسسات الدولة، وأن يكون الجيش اللبناني في مركز أي ترتيبات أمنية، وأن يكون الهدف تثبيت السيادة والاستقرار لا إنشاء منطقة نفوذ جديدة.
لا مشكلة في أن تساعد تركيا لبنان.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المساعدة إلى وصاية.
وهذا المبدأ يجب أن ينطبق على تركيا كما ينطبق على أي دولة أخرى.
الشراكة لا التبعية
هناك عبارة اعتقد أن علينا أن نقولها بوضوح
لا نريد تركيا وصية على لبنان، ولا نريد لبنان تابعاً لتركيا.
نريد شراكة.
شراكة في المتوسط، وفي الاقتصاد والتنمية والثقافة.
تركيا لديها تجربة طويلة مع أسئلة الهوية والدولة والمجتمع والتعدد، ولبنان لديه تجربته الخاصة. لا ينبغي للبنان أن يستورد التجربة التركية، كما لا ينبغي لتركيا أن تحاول تصدير تجربتها.
الأجدى أن يتحاور الطرفان حول ما يمكن أن يتعلمه من بعضهما.
ماذا تعني زيارة الدكتور إبراهيم كالين؟
إذا تمت زيارة الدكتور إبراهيم كالين إلى بيروت، فإن أهميتها لا ينبغي أن تختزل في منصبه الأمني الحالي.
أنا أتذكر الدكتور كالين الذي عرفته قبل نحو خمسة عشر عاماً، حين كان رجل فكر وسياسة ومستشاراً بارزاً في رئاسة الوزراء. اليوم أصبح رئيساً لجهاز الاستخبارات الوطنية التركية، وأحد المسؤولين الأساسيين في صناعة القرار التركي. لكن الحوار اللبناني معه
يجب ألا يكون أمنياً فقط.
الأمن جزء من الاستقرار، لكنه ليس الاستقرار كله.
فالاستقرار يحتاج إلى سياسة واقتصاد وتنمية وثقة وحوار اجتماعي.
وإذا كانت زيارة الدكتور كالين ستبحث ملفات لبنان وسوريا والمنطقة، فإن الأهم أن ينظر إلى لبنان باعتباره دولة ومجتمعاً، لا مجرد
ملف أمني.
الإصلاح من الداخل
هناك درس آخر أخذته من التجربة التركية، وأراه مهماً للبنان
الإصلاح الحقيقي لا يأتي من إلغاء المجتمع، بل من العمل داخل المجتمع.
وهذا ينطبق على البيئة الشيعية كما ينطبق على بقية البيئات اللبنانية.
لقد آمنت دائماً بأن البيئة الشيعية تحتاج إلى إصلاح سياسي وفكري، لكنني لا أؤمن بأن هذا الإصلاح يمكن أن يتم عبر استهداف الشيعة
أو إضعافهم أو تحويلهم إلى متهم دائم.
كما لا أؤمن بأن حماية البيئة الشيعية تكون بعزلها عن الدولة.
الطريق الصحيح هو أن تصبح هذه البيئة شريكاً كاملاً في الدولة، وأن تصبح الدولة في الوقت نفسه حامية لحقوقها وكرامتها.
وهنا يمكن أن تلتقي المصلحة اللبنانية مع الدور التركي: دعم الاستقرار والتعدد، لا تغذية الانقسام.
فرصة جديدة
اليوم أمام لبنان وتركيا فرصة حقيقية.
تركيا تستطيع أن تقدم الكثير للبنان، ولبنان يستطيع أن يقدم الكثير لتركيا.
لكن نجاح العلاقة لن يقاس بعدد الزيارات أو البيانات، بل بقدرتنا على بناء مصالح مشتركة حقيقية. علينا أن نخرج من سؤال:
من يربح النفوذ في لبنان؟
إلى سؤال أكثر نضجاً
كيف يربح لبنان من علاقاته مع تركيا، وكيف تربح تركيا من لبنان المستقر ؟
هذه هي المعادلة التي أتمناها. لا تابعاً ولا متبوعاً. لا وصاية ولا ارتهاناً.
بل شريكين على المتوسط، يجمعهما التاريخ، وتربطهما المصالح، ويحكم علاقتهما الاحترام المتبادل. لقد تغيرت تركيا خلال السنوات
الخمس عشرة الماضية، وتغيير لبنان، وتغيرت سوريا والمنطقة.
لكن بعض الأسئلة بقيت نفسها كيف نحمي التعدد ؟ كيف ندير الاختلاف؟ كيف نبني الدولة؟ وكيف ننتقل من منطق المحاور إلى منطق
المصالح؟
ربما تكون عودة تركيا إلى لبنان فرصة للإجابة عن هذه الأسئلة. ولا يحتاج لبنان إلى نموذج تركي جديد يستورده.
يحتاج إلى أن يجد طريقه بنفسه.
ويمكن لتركيا أن تساعده في ذلك، لا بأن تقول للبنانيين ماذا يفعلون، بل بأن تقول لهم، من خلال تجربتها:
ابنوا تجربتكم أنتم.



