الإمام الغائب الحاضر.. رجل العروبة والإسلام والإنسانية ( علي الحاج)

كتب علي محمد رضا الحاج – الحوارنيوز

ليس من السهل اختصار الحديث عن الإمام القائد السيد موسى الصدر،مع اقتراب الذكرى الثامنة والأربعين لتغييبه ورفيقيه في ليبيا.
فهو لم يكن مجرد رجل دين أو شخصية سياسية واجتماعية، بل كان صاحب مشروع فكري ووطني وإنساني متكامل، جعل الإنسان محوراً، والوطن مساحةً للعيش المشترك، والإسلام رسالةً للرحمة والعدالة، والعروبة إطاراً جامعاً، والمقاومة حقاً في مواجهة الاحتلال والعدوان.
الإمام الصدر.. قائد ومؤسس المقاومة
آمن الإمام الصدر بأن حماية الجنوب مسؤولية وطنية وعربية، وأن مقاومة الاحتلال ليست مسؤولية طائفة أو منطقة، بل مسؤولية اللبنانيين جميعاً.
وكانت المقاومة في رؤيته دفاعاً عن الأرض والكرامة، لا مشروعاً للصراع الداخلي؛ لذلك عمل على تعزيز صمود الجنوب، وربط المقاومة بالوحدة الوطنية وبناء الدولة وخدمة الإنسان.
وكان يؤكد أن حماية الجنوب هي حماية للبنان كله، وأن مواجهة الاحتلال يجب أن تجمع اللبنانيين ولا تقسمهم.

الإمام الصدر.. المقاومة والعمل العربي المشترك
لم ينظر الإمام الصدر إلى قضية الجنوب باعتبارها قضية لبنانية فقط، بل سعى إلى تحويلها إلى قضية عربية. فكان يدعو العرب إلى تحمل مسؤولياتهم السياسية والوطنية والإنسانية تجاه لبنان، وإلى دعم الجنوب في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وإلى استخدام العلاقات العربية والدولية للضغط على إسرائيل.
وكان مشروعه يقوم على معادلة متكاملة:
مقاومة تحمي الأرض، وتنمية تحمي الإنسان، وتضامن عربي يحمي لبنان والجنوب.
جولات الإمام الصدر العربية… من أجل لبنان والجنوب
لم يكتفِ الإمام الصدر بالمواقف والخطب، بل تحرك بين العواصم العربية سعياً إلى موقف عربي مشترك يحمي لبنان.
وفي عام 1976 قام بجولات واتصالات عربية شملت مصر والسعودية والكويت وسورية، وسعى إلى إنهاء الحرب اللبنانية وتعزيز التضامن العربي، وصولاً إلى مؤتمري الرياض والقاهرة.
وفي عام 1978 واصل تحركه العربي، فزار سورية والأردن والسعودية والجزائر، داعياً إلى تحرك عربي لإنقاذ لبنان والجنوب والضغط على إسرائيل لوقف عدوانها والانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وهكذا كان الإمام الصدر يحمل قضية الجنوب من الساحة اللبنانية إلى العواصم العربية، مؤمناً بأن التضامن العربي ضرورة لحماية لبنان.

الجنوب قضية الإمام إلى العواصم العربية
كان الجنوب في وجدان الإمام الصدر قضية وطنية وقومية وإنسانية.
فهو لم يطالب العرب بالدعم السياسي فقط، بل دعا إلى دعم صمود الجنوبيين، ومساعدتهم في مواجهة الحرمان والاعتداءات، وتحويل الجنوب من منطقة مهمشة إلى منطقة محمية ومزدهرة.
وكان يؤمن بأن ترك الجنوب وحيداً أمام الاحتلال يعني ترك جزء من الأمن القومي العربي أمام الخطر الإسرائيلي.
المقاومة والإنسان المحروم
لم يفصل الإمام الصدر بين مقاومة الاحتلال ومواجهة الحرمان.
فالمقاومة عنده تحمي الأرض، بينما التنمية تحمي الإنسان؛ ولذلك اهتم بالتعليم والصحة والخدمات والمؤسسات الاجتماعية، ورفع قضية المحرومين إلى مستوى القضية الوطنية.
وكان يؤمن بأن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير الإنسان من الفقر والجهل والحرمان.
الإمام الصدر رجل العروبة
كانت عروبة الإمام الصدر عروبةً جامعة، لا تلغي الخصوصيات ولا تحوّل الاختلاف إلى صراع.
وكان يرى أن لبنان جزء من محيطه العربي، وأن أمنه واستقراره مرتبطان بأمن المنطقة العربية، وأن التضامن العربي ضرورة لمواجهة الاحتلال وحماية الأوطان.
الإمام الصدر رجل الإسلام والإنسانية
كان الإسلام عند الإمام الصدر رسالة عدالة ورحمة وكرامة، وليس وسيلة لإلغاء الإنسان.
وكان الإنسان عنده قبل الطائفة والمذهب، ولذلك تجاوز في خطابه حدود الطوائف والمذاهب، ودافع عن المظلومين والمحرومين، ومدّ جسور التواصل بين المسلمين والمسيحيين.
الإمام الصدر… والعيش المشترك
آمن بأن لبنان لا يُبنى بالطوائف المتصارعة، بل بالطوائف المتكاملة داخل وطن واحد.
فالعيش المشترك عنده شراكة حقيقية في الوطن، تقوم على المساواة والاحترام والعدالة، وعلى أن تكون كرامة المسلم والمسيحي واحدة، ومستقبلهم مشتركاً.

الإمام الصدر والحوار
كان الحوار في فكر الإمام الصدر وسيلة لفهم الآخر لا لإلغاء القناعات.
ولهذا فتح قنوات التواصل مع مختلف القيادات الدينية والسياسية والاجتماعية، مؤمناً بأن لبنان لا يستقر إلا بالحوار والاعتراف المتبادل.
الإمام الصدر.. والحرمان والعدالة الاجتماعية
اعتبر الفقر والحرمان والجهل قضايا وطنية تمس كرامة الإنسان.
ولهذا سعى إلى بناء المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، وإلى رفع مستوى المناطق المحرومة، خصوصاً في الجنوب، مؤكداً أن الدولة العادلة هي التي تحفظ حقوق جميع مواطنيها.
الإمام الصدر… والطوائف
كان الإمام الصدر إماماً شيعياً، لكنه لم يكن أسير حدود الطائفة.
وكان مسلماً منفتحاً على المسيحي، ولبنانياً منفتحاً على محيطه العربي، وعربياً يحترم الخصوصيات.
وهنا تكمن عظمة تجربته: جمع بين الدين والإنسان، والطائفة والوطن، ولبنان والعروبة، والمقاومة والعيش المشترك.
لماذا نحتاج إلى فكر الإمام الصدر اليوم؟
لأن الطائفية والانقسام والفقر والحرمان والاحتلال وضعف التضامن العربي ما زالت تهدد منطقتنا.
ولهذا نحن بحاجة إلى فكر الإمام الصدر الذي يجمع بين:
المقاومة وحماية الوطن،
والعروبة والتضامن،
والإسلام والإنسانية،
والعدالة والكرامة،
والحوار والعيش المشترك.
الإمام الصدر…
مشروع إنسان قبل أن يكون مشروع رجل دين.
كان الإمام الصدر يؤمن بأن الدين الحقيقي يقترب من الإنسان، وأن حب الوطن يُترجم بحماية وحدته وحقوق أبنائه، وأن العروبة تجمع ولا تلغي، وأن المقاومة تحمي الأرض والكرامة، وأن العدالة الاجتماعية أساس الاستقرار.
الإمام الغائب.. الحاضر
غاب الإمام الصدر جسداً، لكنه بقي حاضراً في الجنوب، وفي قضية المحرومين، وفي المقاومة، وفي العروبة، وفي الحوار والعيش المشترك.
ولذلك فإن استعادة فكره ليست استعادة لذكرى تاريخية فقط، بل استعادة لمشروع يقوم على:
لبنان الواحد،
والجنوب المحمي،
والإنسان المكرّم،
والمقاومة الوطنية،
والتضامن العربي،
والعيش المشترك.
لقد كان الإمام القائد السيد موسى الصدر يرى أن قوة لبنان في وحدته، وأن حماية جنوبه مسؤولية وطنية وعربية، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ.
ولهذا يبقى:
غائباً عن المكان، حاضراً في القضية.
غائباً عن العيون، حاضراً في القلوب والعقول.
غائباً عن المشهد، حاضراً في وجدان لبنان.
وهكذا يبقى الإمام الصدر…
الغائب الحاضر



