رأي

في الإمام المهدي .. وفلسفة المهدوية (الشيخ محمد شقير)

 

كتب الشيخ الدكتور محمد شقير* – الحوارنيوز

 

أن يكون فهم، أو آخر، خاطئ لمعتقدات الجماعات الدينية والمذهبية، هو أمر شائع، وليس بجديد؛ لكن عندما يكثر هذا الفهم الخاطئ، ويُعمل على الترويج له، أو نشره، في بعض وسائل الإعلام، فهو ما يستدعي البيان.

 وهذا ما ينطبق على ما ورد في كلام إحدى الشخصيات السياسية في لبنان حول الإمام المهدي(ع) والمهدوية.

ولنا في هذا الموضوع أكثر من ملاحظة:

  1. إن عقيدة المخلّص موجودة لدى مجمل الأديان، كما أن الاعتقاد بالمهدي (ع) موجود لدى مجمل الفرق والمذاهب الإسلامية. وحقيقة المهدوية أنها رؤية فلسفية قيمية إنسانية لنهاية التاريخ ومآلاته، ترى أن التاريخ يتحرك نحو الخير والعدل والسلام، لتذهب إلى حتمية انتصار العدل على الظلم، والخير على الشر، في الاجتماع الإنساني العام. ولذا هي فلسفة وجودية – وليست عدمية – خيرية، إنسانية، قيمية -محورية العدالة-، جمالية، تحيي الأمل، وتنشط الإرادة للعمل، من أجل الإنسان وخيره وعدله.
  2. في ما يرتبط بـ «الفكر القيامي»، ودفع العالم نحو الحروب، كوسيلة لتعجيل نهاية الزمان، وظهور المخلّص؛ أستطيع القول إن هذا الفكر لا محلّ له في المعتقد الشيعي، بل الموجود هو ضرورة العمل على بسط العدل ونشره، لأنه إن كانت فلسفة المهدوية محورها ومقصدها العدالة، فلا يمكن أن تكون التوطئة للمهدي(ع) إلا من سنخ تلك الفلسفة، أي العدالة. وعليه، فإن تسييل هذه الفلسفة – وهذا المعتقد – في العصر الراهن، لا ينتج إلا فكراً قيمياً، أخلاقياً، إنسانياً، لخدمة الإنسان وخيره ومستقبله.
  3. تذهب تلك الشخصية إلى أن هناك من يربط بين المعتقد، وبين الرؤية السياسية والعسكرية؛ لكنه لم يقل لنا أين هذا الربط، وما الدليل عليه؟ 

والمهم هو أبعد من ذلك، عندما يقول إن كلامه موجه لمن يستغل هذا المعتقد لتبرير سياسات تدميرية… في سياق حديثه عن الفكر القيامي والعدمي. 

وبغض النظر عن وجهة نظره الخاصة تجاه بعض خصومه السياسيين، ووصفها بالتدميرية؛ هل من الصحيح الوصل بين وجهة النظر تلك، وبين العقيدة المهدوية؟ فكأنه بهذا الوصل يريد القول: إن هناك تأويلاً قيامياً للمهدوية، لكنه لم يقل لنا أين هذا التأويل، ولم يأت بالشواهد والأدلة على هذا الاستغلال والوصل.

 أي أن ما فعلته تلك الشخصية، هو مجرد إطلاق دعوى دون دليل؛ وحتى تكون هذه الدعوى صحيحة، يحتاج إلى أن يثبت أمرين: 

الأول، أن ذلك الفكر القيامي موجود في تأويليات المهدوية.

الثاني، الوصل بين سياسات بعينها وبين ذلك التأويل لدى فئة ما.

لكن ما أعلمه هو العكس تماماً، وهو أنه لا توجد -على الإطلاق- جماعة شيعية تحمل هذا الفكر، فضلاً عن أن تعمل له، بل الموجود هو اتجاهات – وجماعات – تتفاوت في رؤيتها لمديات المشروع الإصلاحي في الاجتماع العام وطبيعته وكيفيته، بغض النظر عن إخفاق أو آخر قد يحصل في تجربة أو أخرى، لكن إن حصل شيء من هذا، فليس دليلاً على وجود الفكر القيامي والاستناد إليه، فقد يحصل لدى أي من الجماعات البشرية أن تقع في إخفاق أو آخر، لكن ليس بالضرورة أن يكون مرده إلى الفكر القيامي.

هذا فضلاً عن أن يتمّ إلصاق هذا الفكر بالعقيدة المهدوية ورميه عليها، بمعنى وجود هكذا تأويل تدميري هدّام في تأويليات الفكر المهدوي؛ فما وقعت فيه تلك الشخصية من أخطاء هو أنها أخذت النقاش السياسي إلى البعد المعتقدي، وتحدثت عن العقيدة المهدوية من دون أن يكون لها دراية بها، عندما ادّعت – ولو ضمناً أو باللازم- وجود تأويل هدّام يستند إلى تلك العقيدة، ليُستغل في سياسة أو أخرى، فلن يكون صحيحاً في هذا السياق الإشارة إلى أمر غير موجود في الفكر المهدوي (التأويل القيامي)، وفي المقابل إغفال أمرٍ موجود، وهو التأويلات البنّاءة والإنسانية للعقيدة   المهدوية، وتجلياتها المختلفة في خدمة الإنسان وسعادته، وكذلك لن يكون  صحيحاً تجاهل ذلك الفكر القيامي وممارسته من قبل جهات – كيانات، رؤساء دول- تشكل خطراً على الوطن، والمنطقة، بل أبعد.  

إنّ ما نأمله من تلك النخب السياسية، هو أن تبقي معركتها السياسية بعيدة عن معتقدات الأديان، وأن تحافظ على احترام الديانات ومعتقداتها، ليس فقط في المضمون، وإنما أيضاً في أسلوب الكلام، ولحن القول، وأن ندرك أن الدين -وليس الطائفية – وعقيدة الخلاص والمهدوية، يمكن أن تكون في فلسفتها القيمية، ومحورية العدالة لديها، وتعاليها على المذاهب والفرق، لخير الإنسان، والوطن، ودفع الظلم عنه، والدفاع عن شعبه وسيادته.

*أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى