إقتصاددراسة

الاقتصاديات الجديدة للخصوبة (ميشيل ترتيلت، فابيان كيندرمان، آن هانوش، ماتيوس ديبكي)

 

اعداد دانييلا سعد – الحوارنيوز

 

“في مقدور صناع السياسات تحقيق الرخاء الإنساني والاقتصادي إذا ما ساعدوا النساء على الجمع بين العمل والأسرة”

تراجعت معدلات الخصوبة* طوال مائة عام في البلدان مرتفعة الدخل، باستثناء القليل منها، وبلغت حاليا مستويات متدنية للغاية في مناطق عديدة. فقد سجلت ألمانيا وإيطاليا واليابان وإسبانيا معدلات خصوبة أقل كثيرا من 1,5 لأكثر من عقدين – أي دون المتوسط اللازم للحفاظ على حجم السكان والذي يزيد قليلا على طفلين للمرأة الواحدة. ويعني ذلك أن أي جيل جديد سيكون أقل من ثلاثة أرباع الجيل السابق. ويؤدي هذا الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة إلى زيادة سريعة في عدد السكان الأكبر سنا، كما يفرض تحديات أمام الحكومات والاقتصادات واستدامة نظم الضمان الاجتماعي.

وقد تناولت أبحاث اقتصادية عديدة القرارات الفردية بشأن الخصوبة وركزت عادة على الاتجاهات الشائعة المرتبطة بهذا التحول الديمغرافي – أي الارتباط الأساسي السالب بين الخصوبة والدخل وبين نسبة مشاركة المرأة في القوة العاملة والدخل. وقد اقترح خبراء الاقتصاد تفسيرين رئيسيين.

أولهما، وهو التفسير القائم على “المفاضلة بين العدد والجودة”، يفترض أنه كلما كان الوالدان أكثر ثراء، ازداد حجم الاستثمار في “جودة” الأبناء (كالتعليم على سبيل المثال). وهي استثمارات مكلفة، وبالتالي يختار الوالدان إنجاب عدد أقل من الأبناء كلما ازدادت الدخول. ودائما ما كان هناك رابط سالب قوي بين الخصوبة ونصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي على مر التاريخ، سواء عبر البلدان أو الفترات الزمنية.

ويقر التفسير الثاني بأن تنشئة الأبناء تستغرق وقتا طويلا. ومع زيادة الأجور، يصبح تخصيص جانب من الوقت لرعاية الأبناء – وهو الوقت الذي كان من الممكن قضاؤه في العمل – أعلى تكلفة بالنسبة للوالدين، ولا سيما الأمهات. والنتيجة هي تراجع الخصوبة وزيادة نسبة مشاركة الإناث في القوة العاملة. وفي الواقع، طالما كان هناك ارتباط سالب قوي بين نسبة مشاركة الإناث في القوة العاملة والخصوبة عبر البلدان والفترات الزمنية.

حقائق جديدة عن الخصوبة

تشير البيانات إلى أن هذه العلاقات لم تعد تعبر عن الواقع العالمي. فقد تراجعت العلاقة السالبة بين الدخل والخصوبة إلى حد كبير داخل البلدان مرتفعة الدخل وعبرها، وإن كانت لا تزال حاضرة في البلدان منخفضة الدخل (لا سيما إفريقيا جنوب الصحراء). وينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين الخصوبة ونسبة مشاركة الإناث في القوة العاملة. وفي مسح صدر مؤخرا (Doepke and others 2022) ومقال نشر على الموقع الإلكتروني VoxEU (11 يونيو 2022)، نلقي الضوء على هذه الأنماط التجريبية ونناقش أهم العوامل التي تفسر مستويات الخصوبة الفعلية في العقود الأخيرة.

وطالما كان ارتفاع نصيب الفرد من الدخل في بلد ما دليلا على تدني معدلات الخصوبة. ففي عام 1980، كان معدل الخصوبة لا يزال يتجاوز طفلين للمرأة الواحدة في البلدان الأفقر، كالبرتغال وإسبانيا، ولكن بعد مرور 20 عاما فقط، طرأت تغيرات هائلة على معدلات الخصوبة في نفس مجموعة البلدان (الرسم البياني 1). ففي الواقع، سجلت الولايات المتحدة في عام 2000، وهي في المرتبة الثانية بين البلدان الأكثر ثراء في العينة، معدل الخصوبة الأعلى على الإطلاق.

 

وبالمثل، طرأت تغيرات على أنماط الخصوبة عبر الأسر في البلدان مرتفعة الدخل (مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة). فدائما ما كان هناك ارتباط سالب واضح بين تعليم الإناث والخصوبة، وهو ما يتسق مع فكرة ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لتنشئة الأطفال كلما ازدادت الأجور. غير أن هذه العلاقة السالبة تراجعت بين النساء الأمريكيات اللاتي وُلدن مؤخرا (الرسم البياني 2). فرغم أن النساء من ذوي المؤهلات العليا اللاتي قضين أكثر من 16 عاما في التعليم سجلن معدل الخصوبة الأدنى على الإطلاق في عام 1980، فقد تغير هذا الاتجاه في عام 2019 (راجع أيضا دراسة Hazan and Zoabi 2015).

 

التوفيق بين العمل والأسرة

تشير الأنماط التجريبية الأخيرة إلى أن سلوك معدلات الخصوبة الذي تشهده البلدان مرتفعة الدخل حاليا ناتج عن عوامل لا ترتبط مباشرة بالمفاضلة بين العدد والجودة أو تكلفة الفرصة البديلة. وكان على الباحثين عبر مختلف المجالات دراسة الآليات البديلة المسؤولة عن أنماط الخصوبة داخل البلدان مرتفعة الدخل وعبرها (راجع دراسة Rindfuss and Brewster 1996 ودراسة Ahn and Mira 2002 للاطلاع على مساهمات سابقة حول هذا الموضوع). وقد خلصت هذه النقاشات العلمية الموسعة إلى فكرة واحدة، وهي التوفيق بين العمل والأسرة.

فقد طرأ تحول اقتصادي جوهري، وأصبحت النساء في العديد من البلدان مرتفعة الدخل تشارك حاليا في القوة العاملة لفترة طويلة من حياتها. وأصبح النمط السابق لدخول النساء في سوق العمل وخروجهن منه بعد الزواج وإنجاب الأطفال هو الاستثناء وليس القاعدة. فمعظم النساء اليوم يرغبن في الجمع بين الأسرة والنجاح المهني. ومن منظور تاريخي، يمكن تفسير هذا التحول بأنه نتيجة للتقارب بين الخطط الحياتية للنساء والرجال عموما بعد فترة طويلة من الانقسامات الحادة في الأدوار المنوطة بالجنسين.

إذا ما أُتيح للنساء الحصول على خدمات رعاية الأطفال بسهولة مقابل تكلفة زهيدة، سيصبحن أكثر تفرغا وقدرة على الجمع بين الأمومة والعمل.  

وبالرغم من أن التحول في الخطط الوظيفية للنساء أصبح اتجاها سائدا عبر البلدان مرتفعة الدخل، لا تزال هناك تفاوتات كبيرة في حجم التوافق الحقيقي بين عمل المرأة وأسرتها. ويمكن تفسير التفاوت عبر البلدان بأربعة عوامل: سياسات الأسرة، والتعاون من جانب الآباء، والأعراف الاجتماعية المواتية، وأسواق العمل المرنة.

ومن أهم محددات قدرة النساء على التوفيق بين العمل والأسرة هو وجود بدائل بتكلفة معقولة للوقت المخصص لرعاية الأطفال الذي دائما ما كان يُستقطع من حياة الأم وحدها. وفي بعض البلدان، كالولايات المتحدة، يتم توفير هذه البدائل من خلال كيانات خاصة غالبا، بينما يقدم العديد من البلدان الأوروبية خدمات رعاية الأطفال من خلال القطاع العام. وإذا ما أُتيح للنساء الحصول على خدمات رعاية الأطفال بسهولة مقابل تكلفة زهيدة، سيصبحن أكثر تفرغا وقدرة على الجمع بين الأمومة والعمل، مما سيسهم في رفع معدلات الخصوبة في نهاية المطاف. وفي بلدان مثل السويد والدانمرك، حيث يوفر القطاع العام خدمات الرعاية على نطاق واسع للأطفال من جميع الأعمار، تجاوزت معدلات توظيف النساء والخصوبة مستواها في البلدان التي يندر فيها تقديم هذه الخدمات. ومن غير المستغرب بالطبع أن هذه البلدان تنفق جزءا أكبر من إجمالي ناتجها المحلي على التعليم العام في مراحل الطفولة المبكرة. وتشمل السياسات الأخرى التي تؤثر على قدرة النساء على التوفيق بين العمل والأسرة السياسات التي تمنح إجازات للوالدين لرعاية الأطفال، والسياسات الضريبية، ومدة اليوم الدراسي.

ويمكن للآباء أيضا تقديم الرعاية لأبنائهم بالطبع. فرغم أن الآباء دائما ما كانوا يقضون وقتا أقل في رعاية أبنائهم، تشير البيانات إلى ارتفاع هذا المؤشر خلال العقود الأخيرة. وتنشأ عن تقاسم مسؤولية رعاية الأبناء بين الوالدين انعكاسات مهمة على الخصوبة عند اتخاذ قرار الإنجاب. فدراسة Doepke and Kindermann (2019) تشير إلى أنه في البلدان التي يكون فيها الآباء أكثر تعاونا في رعاية الأبناء وأداء الأعمال المنزلية، تزداد معدلات الخصوبة عنها في البلدان التي يقع فيها الجزء الأكبر من هذه المهام على كاهل النساء. وتعد اليابان مثالا واضحا على ذلك، حيث يتقاسم الرجال جانبا محدودا من مهمة رعاية الأبناء، وبالتالي تظل معدلات الخصوبة متدنية للغاية.

أما التأثير الثالث على قرارات الخصوبة في العصر الحديث، فيتمثل في الأعراف الاجتماعية حول دور الأم في المنزل والعمل. فقد يكون انخفاض معدلات الخصوبة نتيجة الأعراف الاجتماعية التقليدية. وألمانيا أحد الأمثلة على ذلك، حيث لا يزال توصيف الأم العاملة بدوام كامل باعتبارها “أما سيئة” (Rabenmutter) أمرا شائعا حتى الآن، مما يفرض عقوبة ضمنية على الأمهات اللاتي يتطلعن إلى الجمع بين الأسرة والعمل.

وأخيرا، تؤثر أوضاع سوق العمل أيضا على القدرة على التوفيق بين العمل والأسرة. ففي إسبانيا على سبيل المثال، تتكون سوق العمل من مستويين، حيث غالبا ما تكون الوظائف إما مؤقتة أو دائمة، وتعمد النساء إلى تأجيل الإنجاب أملا في الحصول على وظيفة ثابتة أولا. وتؤدي أوضاع سوق العمل تلك إلى تراجع معدلات الخصوبة بالطبع. وبوجه أعم، تشيع الوظائف المؤقتة ويصعب الحصول على وظائف دائمة في ظل ارتفاع معدل البطالة – وحتى الحصول على إجازة مؤقتة لتكوين أسرة يمكن أن تنشأ عنه تداعيات على فرص النساء في سوق العمل على المدى الطويل. وبالتالي، قد تتراجع معدلات الخصوبة عنها في البلدان التي يسهل فيها الحصول على فرص عمل آمنة طويلة الأجل.

الانعكاسات على السياسات

لا تتيح اقتصاديات الخصوبة في العصر الحديث حلولا سهلة ومباشرة لصناع السياسات المتخوفين من الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة. فعوامل مثل الأعراف الاجتماعية وأوضاع سوق العمل بوجه عام تتغير ببطء مع الوقت، وحتى سياسات التدخل التي يُحتمل أن تثبت فعالية في هذا الصدد لن تكون لها سوى آثار تدريجية على الأرجح. غير أن الرابط الواضح عبر البلدان بين معدلات الخصوبة والقدرة على التوفيق بين الأسرة والعمل يؤكد أن الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة وما ينشأ عنه من أعباء على المالية العامة ليس أمرا لا مفر منه، بل هو مجرد انعكاس لسياسات المجتمع ومؤسساته وأعرافه. وينبغي لصناع السياسات الانتباه لذلك وتبني منظور يحقق التوازن بين العمل والأسرة. والاستثمار في المساواة بين الجنسين – ولا سيما ضمان حصول أمهات المستقبل على فرص متساوية في سوق العمل – ربما يشكل عبئا مرهقا على المدى القصير، ولكنه يجني منافع جمة في الأجلين المتوسط والطويل للاقتصاد والمجتمع على السواء.

 

ماتيوس ديبكي أستاذ الاقتصاد بجامعة نورث ويسترن.

 

آن هانوش أستاذ مساعد في الاقتصاد بجامعة مانهايم.

 

فابيان كيندرمان أستاذ الاقتصاد في جامعة ريغنسبورغ.

 

ميشيل ترتيلت أستاذ الاقتصاد في جامعة مانهايم.

*مدونة صندوق النقد الدولي

  • الآراء الواردة في هذه المقالات وغيرها من المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مؤلفيها، ولا تعكس بالضرورة سياسة صندوق النقد الدولي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى