إقتصاد

الإصلاح المنشود: أطرالنهوض بالاقتصادي اللبناني

 

العميد الدكتور عادل مشموشي
إن الأزمة الاقتصاديَّة في لبنان في جوهرها منبثقة عن سوء الأداء السياسي، نتيجة الخلل البنيوي الذي يعانيه النظام السياسي في لبنان، وهي أزمة حوكمة بامتياز، تعزى إلى انتشار ثقافة الفساد والهدر في مُختلفِ القِطاعاتِ والمَجالات، ومن الواضح أننا سنشهد أزمة سياسيةـ_اقتصاديَّة طويلة الأمد قد تطول لعقد من الزمن، وربما سيكون لها مُستقبلاً انعكاسات أمنية وخيمة.
أهميَّة النمو الاقتصادي:
تكمن أهمية التنمية الاقتصاديَّة في كونها تؤدي إلى زيادة الدخل القومي الذي يسهم مباشرة في زيادة الدخل الحقيقي للأفراد، وتحسين مستواهم المعيشي، كما في توفير الاستقرار الاجتماعي، ومن أهم مُتطلباتها التَّخطيط المُسبق من خِلال وضعِ وتبني سياساتٍ اقتصاديَّةٍ ملائمة، وفق بيانات ومعلومات وطنيَّة صحيحة، كما الحرص على الحفاظ على جودة الإنتاج والخدمات، وحسن استغلال التقنيات الحديثة الملائمة، بما تتطلبه من استقرار أمني وسياسي، ونشر للتوعية البشريَّة حول أهمية التنمية الشاملة، واعتماد موارد بشرية حسنة التدريب ومتخصصة.
تدعونا الموضوعية للإقرار بأن الاقتصاد اللبناني يعاني من خلل فاضح في مختلف القطاعات الاقتصاديَّة، الأمر الذي يستدعي العمل على النهوض بالإقتصاد اللبناني في أسرع وقت، وهذا يستدعي تسخير مختلف الإمكانيات المتاحة لتحقيق نمو مطرد وفق جدول زمني مُحدد، كما يتطلب بلورة رؤية وطنية تترجمُ بإعداد خطة استراتيجيَّة مُحكمة الدرس ومتكاملة، تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات الوطنيًّة المُتاحة، والظروف السياسيَّة والإقتصاديَّة السائدة في منطقة الشرق الأوسط. وينبغي أن تتضمن استراتيجية النهوض الاقتصادي برنامج إصلاح اقتصادي منهجي شامل وواسع، وطويل الأمد يُنفَّذ على مراحل زمنيَّة، متباينة، قصيرة، ومتوسطة وبعيد الأمد، يهدف إلى التَّخفيف من حدَّة الأزمات ومُعالجة جذور المُشكلة بمختلف أبعادها، كما يتوخى الحفاظ على الأمن الإجتماعي، من خلال إيلاء الأهميَّة للعدالة الاجتماعيَّة، والتركيز على حماية الفئات الاجتماعية الأضعف، وبالطبع يقتضي أن يركز على زيادة إيرادات الدولة، وبذات الوقت البعد عن الاعتماد المفرط على القطاعات الخدماتية دون غيرها، أو زيادة الضرائب ورفع مُعدلاتها.
كذلك لم يعد من  الخافي على أحد أن الانكماش الاقتصادي وتردي الوضع المالي يعزى إلى سوء الإدارة السياسيَّة في البد، أدى هذا الانكماش إلى تراجع النمو على نحو غير مألوف، ويخشى من أن يصل إلى مرحلة سلبيَّة في المدى المنظور، الأمر الذي انعكس سلباً على حياة الأفراد وتدني مستوى معيشتهم، وربما سيؤدي إلى عجزهم عن توفير متطلباتهم الحياتية اليومية، وخاصَّة في ظل تفشي البطالة.
تدعي الطبقة السياسيَّةُ في لبنان وعيها لحقيقة المرحلة التي يمر بها لبنان والأزمات التي تعصف به، وخاصَّة مُشكلته الاقتصاديَّة، وأنها تعمل ما بوسعها للحد من تفاقم المشكلة أو تلافي الانهيار الكامل.  لذا أعدَّت حكومة الرئيس سعد الحريري ورقة اقتصاديَّة زعمت أنها من خلالها تنتقل بالإقتصاد اللبناني من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد مُنتج، وأهم ما تضمَّنته ورقة بعبدا كما طاب للبعض تسميتها "ضرورة التنسيق ما بين السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية لما فيه مصلحة الاقتصاد الوطني بشكل عام". تُعبر الخِطة عن اعتراف السلطات اللبنانية  بفشل الإنموذج الإقتصادي اللبناني القائم على الاقتصادي الريعي.
كذلك يقتضي التنويه إلى أن الحكومة تقدمت في مؤتمر سادر "بناءً لطلب الجهات المانحة" بخطة اقتصادية سميت بالبرنامج الاستثماري الوطني للبنية التحتية الاقتصادية، تمحورت حول ثمانية قطاعات هي: "النقل، والري والمياه، والصرف الصحي والكهرباء، والاتصالات والنفايات الصلبة، والتراث الثقافي والمناطق الصناعيَّة"، وركَّزت فيه الحكومة على الإنفاق على البنى التحتية والإصلاح المالي، وإصلاحات إداريَّة هيكلية ومكافحة الفساد، وتحديث التشريعات، وتطوير القطاعات الانتاجية وزيادة الصادرات. مما لا شك فيه أن المقترحات التي قُدمت لمؤتمر سادر "في حال الإلتزام بتطبيقها" سيكون لها انعكاساتها الإيجابيَّة، إلاَّ أنها تنطوي على مخاطر تتمثل في تكريس التبعية للجهات الممولة، ولكن الخشية كل الخشية أن تكون بمثابة تعهدات ووعود بهدف استحصال السياسيين المعنين في إدارة شؤون الحكم على القروض والدعم المالي والمعنوي اللذين وعودوا بهما، ومن ثم العمل على سرقتها أو هدرها أو صرفها على نحو غير مدروس.
بالإضافة إلى ما تقدم كلَّفت الحكومة اللبنانية شركة ماكينزي بإعداد خطة للنهوض بالاقتصاد اللبناني، وقد بحثت هذه الشركة معمَّقاً في الاقتصاد اللبناني، وقطاعاته الانتاجيَّة، وركزت الخطة على القطاعات الانتاجية الأساسيَّة الصناعة، الزراعة، والسياحة والقطاع المالي واقتصادر المعرفة، وقطاع الانتشار" ولحظت معدل المساهمة المتوقعة من كل هذه القطاعات، كما لحظت خطة ماكينزي ضرورة تحول الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد رقمي، عالي الانتاجية، ورائد في مجال الابتكار. وتتميَّز هذه الخطة في كونها صادرة عن شركة دولية مشهود لها، ونجحت في وضعتها الخطة بمعزل عن أية ضغوطات أو مآرب سياسيَّة محليَّة، وأخذت بعين الاعتبار خصائص المُجتمع اللبناني وموارده الدَّاخليَّة؛ في الواقع قد يؤدي حُسن تنفيذِها إلى إحداث تغييرات جَوهرية وملموسة في إطار تحسين الاقتصاد اللبناني وتَجعله أكثر تحصُّناً لمواجهةِ الأزمات، إلاَّ أنه لا شيء يوحي بالنهوض في ظل تحكم الطبقة السياسية التين أوصلت البلد إلى هذا المأزق بمستقبله السياسي والاقتصادي.
ولكنه على الرغم من التقييم السوداوي يمكننا القول أن مقومات الاقتصاد اللبناني لا تزال متينة، ويمكن النهوض بالبلد اقتصاديَّاً فيما لو تم تبني رؤية اقتصاديَّة شاملة ومتوازنة، واتخاذ خطوات إصلاحيَّة جريئة، والاهتمام بمختلف القطاعات الانتاجيَّة؛ بما في ذلك تحديث القوانين، وتعزيز إجراءات الرقابة، ومكافحة التهريب الضريبي والجمركي، كما المنافسة غير المشروعة بخاصة من قبل المؤسَّسات غير المرخَّصة والتي تستهدف المُنتجات الوطنيَّة الزراعيَّة والصناعيَّة، وهذا يستوجب العمل على إنشاء هيئة وطنية لإدارة الأزمة الإقتصاديَّة، يكون من أولى مهامها صياغة خطة نهوض اقتصاديَّة وبرنامج تنفيذي لها، وذلك بالتشاور مع هيئات المجتمع المدني.
إن التمادي في التعامي عن الأزمات الشَّائكة والمُتفاقمة قد يؤدي إلى تحولٍ جذري في الحياة السياسيَّة في لبنان، كما على الأوضاع الاجتماعيَّة والمعيشيَّة للمواطنين عامَّة. وخاصَّة إن لم يصر إلى التَّعامل معها بحكمة عالية، وحيث أن الإقتصاد الوطني يقوم على المرتكزات الأساسيَّة التالية: القطاع الزراعي والقطاع الصناعي والقطاع التجاريّ وقِطاع الخدمات (سياحة مصارف) لذا يوجب على المعنيين العمل على اعتماد أطر وآليات كفيلة بتنمية تلك القطاعات الأساسيَّة على النحو التالي:

أولاً: أطر وآليَّات النهوض بالقطاع الزراعي: تتركز الزراعة في لبنان في منطقة البقاع (40%)، وتليها عكار (25 %) والجنوب (20 %) ومنطقة جبل لبنان (15%)، وهي تتوزع ما بين زراعة الخضار والبقوليَّات والحمضيات والفواكة وأشحار الزيتون، أما بالنسبة للثروة الحيوانيَّة فهي ضعيفة جداً. كما أن الكميَّات المنتجة من المحاصيل الزراعيَّة فيما لو استثنينا الحمضيات لا تكفي حاجة السوق المحلية، لذا يعتمد لبنان على استيراد معظم حاجاته من المنتجات الزراعيَّة والحيوانيَّة (89 %) من الخارج، الأمر الذي يتسبَّبُ بعجز كبير في ميزانه التجاري في معرض الاتجار بهذه المنتجات. وفي سبيل النهوض بهذا القطاع ينبغي العمل ضمن الأطر التالية:
ـ تشحيع العاملين في القطاع الزراعي، وتوفير المواد الزراعية الأوليَّة لهم بأسعار مدعومة، وبخاصة البذار والأسمدة الكيماويَّة التي لا تتسبب بأضرار بيئية أو صِحيَّة.
ـ العملُ على توفير الحِمايةِ اللازمةِ للمُزارعين لجهة تمكينهم من بيع محاصيلهم الزراعية، من خلال الحد من المنافسة الخارجية باعتماد سياسة ضريبية وجمركية حمائيَّة، وفتح الأسواق العربيَّة والأجنبية لتصريف الفائض من الانتاج المحلي.
ـ تشجيع المزارعين وحثهم على التَّحوُّل إلى زراعات أكثر ذكاءً، وإنتاج أصناف جديدة تتمتع بالندرة مُقارنة مع المنتجارت الزراعية الكلاسيكيَّة.
ـ التشجيع على إنشاء شركات مخازن وبرادات لتخزين المُنتجات الزراعية، وتقديم الإعفاءات لها ومُعاملتِها معاملة المزارع لجهة الإعفاء الض}َريبي وتخفيض الرسوم البلدية واشتراكات الضمان الاجتماعي عن العاملين فيها، وذلك لافساح المجال لتصريف المُنتجات الزراعية خارج أوقات مواسِمها، حيث تنطوي الأسعار على ربحيَّة أكبر مما هو عليه الحال خلال مواسمها.
ـ تشجيع أصحاب الرساميل على الاستثمار في مجال الصناعات التعليبية في ما خص تعليب المنتجارت الزراعيَّة والحيوانية، من خلال منحهم  إعفاءات ضريبية وتخفيض الرسوم البلدية واشتراكات الضمان عن العاملين في تلك المؤسَّسات التابعة لهذه الشَّركات ، منعاً من تلف المحاصيل، وإفساح المجال لتسويقها مُعلَّبة خارج أوقات مواسمها.
تشجيع الصِّناعات الكيميائية الوطنيَّة الخاصَّة بإنتاج الأسمدة الكيماويَّة والمبيدات الحَشريَّة والبيولوجيَّة، ومختلف أنواع الأدوية الزراعية.
ـ إقامة المزيد من السُّدود، لحصر مياه الأمطار والأنهار، للإستفادة منها في أوقات الري صيفاً، كما الخد من الهدر في المياه التي تنساب إلى البحر من جون أية فائدة.
ـ تشجيع المزارعين على ترشيد استخدام مياه الري باعتماد شبكات ري حديثة، توفِّر اليد العاملة  كما تُخفِّفُ من استهلاك المياه.
ـ تبني الحكومات المتعاقبة لسياسة زراعيَّة حكيمة وصارمة من خلال الحفاظ على ما تبقى من الأراضي الزراعية، والحد من زحف المناطق العُمرانيَّة وتوسعها على حِساب الأراضي الزراعيَّة وخاصَّة في السهول السَّاحليَّة والدَّاخليَّة.
ثانياً: أطر وآليات النهوص بالقطاع الصناعي: القطاع الصناعي في لبنان على الرغم من أهميَّته، هو قطاع شبه مهمل من الحُكومات، بحيث لا يتم التَّعامُلَ معه باعتباره قطاعاً اقتصاديَّاً رئيسيَّا في لبنان على خلاف ما هو الوضع عليه في الدول المُتقدمة. وهو بالإجمال يُعتبر قطاعاً غير متنوعٍ من حيث مجالاته الصناعيَّة، أما لجهة مردوده فهو للأسف بالكاد يؤمن ما نسبته 20% من الناتج المحلي. كما أن مستلزماتِ النهوض به تستوجب العَمل ضِمن الأُطُرِ التالية:
ـ حماية العاملين في هذا القطاع من المنافسة الخارجيَّة من خلال إعادة النظر في بعض الرسوم الجمركيَّة، من حيث تخفيف الرسوم الجمركية على المواد الأوليَّة المُستوردة، ورفعها بالنسبة للمنتجات الصناعيَّة المنافسة للإنتاج الصناعي المحلي، وبخاصَّة في القطاعات التالية: (صناعة المفروشات، صناعة الألبسة، صناعة الأحذية، المواد الغذائية المعلبة…الخ.
ـ ضبط الحدود وتشديد الإجراءات لمنع التهريب عبرها أو عبر منافذ العبور الرسميَّة سواء كانت جويَّة أو بحريَّة أو بريَّة.
ـ منح إعفاءات للصناعيين من ناحية ضريبة الدَّخل وضريبة التَّوزيع، واشتراكات الضمان الاجتماعي، كما من حيث الرسوم البلديَّة، وضريبةِ الأملاكِ المبنية.
ـ إنشاء شبكة نقل حديثة ومنخفضة التكلفة وربط مختلف المناطق اللبنانية بواسطتها، الأمر الذي يخفف كلفة الشحن على الصناعيين، ويُشجِّعُهم على إنشاء مصانعهم خارج المناطق المزدحمة بالسكان، كما يشجع سكان الريف على البقاء في قراهم.
ثالثاً: أطر وآليَّات النهوض بالقطاع التجاري: بعتبر القطاع التجاري في لبنان من أهم القطاعات الاقتصاديَّة، ويتصدَّر قائمة الصادرات حيث يمثل (80 %) من الصادرات، وتمثلُ عائداتُ هذا القطاع ثلث إجمالي الناتج المحلي، ويعمل فيه قرابة ربع القوى العاملة في لبنان؛ وتتركَّزُ النشاطات التِّجاريَّةُ في المدن اللبنانيَّة وفي مقدمتها العاصمة بيروت، وتنمية هذا القطاع تستوجب العمل ضمن الأطر التالية:
ـ تخفيف العجز في الميزان التجاري من خلال زيادة قيمة الصادرات والحد من الاستيراد  غير المجدي قدر الإمكان، وخاصَّة في ماحص السلع الكماليَّة.
ـ تنمية الصادرات اللبنانيَّة من خلال تشجيع الإنتاج اللبناني، والعمل على إيجاد أسواق خارجيَّة لما يفيض عن حاجة السوق المحليَّة وصولاً إلى إعادة التوازن إلى الميزان التجاري أو التخفيف من الفارق الكبير ما بين الواردات والصادرات.
ـ إبرام العديد من الاتفاقياتِ مع الدول التي يوجد خلل في الميزان التِّجاري لصالِحِها، بما يكفلُ زيادة تصديرَ مُنتجات لبنانية، وبخاصَّة الفواكه والخُضار لردم الهوَّةِ الكبيرة في الميزان التِّجاري  اللبناني لصالِح الاستيراد.
ـ تسهيل عمليات التبادل التجاري بين لبنام والخارج ، من خلال البحث عن أسواق للمُنتجات اللبنانية كافَّة.
ـ إبرام اتفاقيات دوليَّة مع الدول التي يستورد منها لبنان بمبالغ كبيرة، وبخاصَّة تلك التي تنطوي على خلل كبير في الميزات التِّجاري لصالِحِها، وذلك للتَّخفيفِ من حدة الخلل، برفع مستوى الصادرات اللبنانية إلى تلك الدول وبخاصَّة المنتجات الزراعية والصناعية التي تفوق كمياتها عن حاجة السوق المحلي. .
ـ رفعُ مُعدَّل الرُّسوم الجُمركيَّة على المُستوردات الزراعيَّة والصناعيَّة لتشجيعِ الإنتاج المَحلي، وخفض رسوم المرافئ وتحميل وتفريغ حُمولاتِ البواخر، وكذلك بدلات الترانزيت.
ـ تشجيع التجارة الداخليَّة بين مُختلف المناطق اللبنانية، والاستفادة من شبكةِ النقل المُقترح تحقيقها، باعتماد كلفة شَحنٍ ونقلٍ مُنخفضة لشَحن البضائع بين المناطقِ وجعلها بأقل كلفة ممكنة.
ـ تشجيع المشاريع الانتاجية الصَّغيرة والفرديَّة، من خلال تشجيع الأفراد وخاصَّة القاطنين في المناطق الريفية على إنشاء مشاريع استثماريَّة فردية أو عائليَّة تتجانس مع طبيعة المنطقة، كمزارع صغيرة أو تربية الحيوانات والدواجن، أو بعض الحرف والصناعات الصغيرة، كمشاغل الحياكة وغيرها.
ـ تطوير المرافق الاقتصادية وتسهيل إجراءات معاملات الاستيراد والتَّصدير وحركةُ ِالمسافرين.
ـ توسيع الموانئ البحرية بحيث تشتوعب حركة ملاحة أكبر مما هو عليه الوضع الحالي، وخفض رسوم التَّحزين في المخازن العمومية والخاصَّة، وتوسيع المساحات المُخصصة للمناطق الحرة .

القطاع الخدماتي: يُعتبر قطاع الخدمات في لبنان من أهم القِطاعات الاقتصاديَّة بحيث يُشكل مردودُه ما يقارب 60  % من مجمل الإنتاج القومي، (الصناعة 20% الزراعة أقل من 5%)، وتتوزَّع أنشطته ما بين النشاطات السياحيَّة والحدمات المصرفية، ويمكن إضافة ما يسمى بالخدمات الصحيَّة الاستجماميَّة.
أ ـ السِّياحة: إن لبنان على الرغم من ضيق مساحته يتمتَّع بقُدرتِهِ على احتِضان مجموعة متنوعة من الأنشطة السِّياحيَّة، بما فيها ممارسة أنواع من الرياضة الصيفيَّة والشتويَّة، بحيث تمارس هوايات التزحلق على الثلوج في فصل الشَّتاء، وهوايات السباحة والتزحلق على المياه في فصل الصيف، بالإضافة إلى مختلف الألعاب الأخرى على امتداد فصول السنة، كما أنه يمكن للسوَّاح ممارسة أنشِطة سياحيَّة ريفيَّة متنوعة كركوب الدراجات والفروسيَّة ومارسة هواية المشي الطويل والمشاركة في الرحلات في البراري.
يحتوي لبنان على معالم أثريَّة وسياحيَّة هامة أهمُّها قلعة بعلبك ومَغارة جعيتا، ولكن لللأسف تعاني معظم الأماكن الأثرية فيه من قلَّة الاهتمام وعدم الرعاية، حيث أن الكثير منها بحاجة إلى صيانة وترميم، جرَّاء الأضرار التي أصيبت بها خلال الحرب الأهليَّة، كما تعاني السياحة في لبنان من ضعف مستوى التسويق لها، لذا فإن المردود السياحي لا يُشكل مصدر دخل وازن بالنسبة لمعظم البلديات ولا حتى للأهالي الذين يسكنون بالقرب من تلك المواقع، وبالتالي فإن عائداتها على مستوى الدَّخل القومي لا يُعتد بها كونها زهيد مُقارنة مع مداخيل باقي القطاعات الاقتصاديَّة، خاصَّة وأن مجمل مردون القِطاع السِّياحي برمَّته يُقارب (10% من الانتاج القومي)
وفي إطار السياحة يأتي القطاع الفندقي من بين مرتكزات السياحة في لبنان، وقد شهد هذا القطاع ازدهاراً خلال عقدي الستينات والسبعينات أي قبل الحرب الأهليَّة، ليشهد انتكاسة حادَّة قرابة عقدين من الزمن أي خلال فترة الحرب، ليعود إلى نشاطه حيث عرف ذروته خلال تسعينات القرن الفائت خلال فترة إعادة الإعمار التي كان قد أطلقها وأشرف عليها المغفور له دولة الرئيس رفيق الحريري،  وكان نمو هذا القطاع يتزايد سنوياً بمعدل 5%، والجدير ذكره أن الاستثمار في هذا القطاع يستقطب رأس مال أجنبي لافت.
ولكن هذا القطاع يعاني منذ ما يزيد عن خمسة سنوات من صعوبات كبيرة تُنذر بإقفال عددٍ من فنادقه نتيجة الأزمة الاقتصاديَّة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط ومنها لبنان منذ ما يقارب العقد من الزمن، نتيجة ما عرف بثورات الربيع العربي، وما تأتى عنها من صِراعات إقليميَّة ونزاعات مسلَّحة كان آخرها ولا يزال النزاعات الداخلية في كل من سوريا وليبيا، كما النزاع المسلَّح في اليمن الذي له أبعاد إقليميَّة حادَّة.
وإن استعادة القطاع السياحي لنشاطه تستدعي القيام بخطوات جريئة أهمها:
ـ توفير الجو السياسي الملائم والحرص على نأي لبنان عما يدور حوله من صراعات فيما لو استثنينا الصراع العربي_الاسرائيلي.
ـ تشجيع التعاون بين شركات السفر وأصحاب الفنادق والمطاعم ومختلف أماكن الترفيه، ووسائل النقل السياحيَّة، والمسؤولين عن إدارة الأماكن السياحية، لتوفير الأجواء المناسبة والأسعار التشجيعيَّة التي من شأنها أن تجعل لبنان وجهة للسواح من مختلف دول العالم، وبخاصَّة السوَّاح العرب.
ـ تشجيع ما يمكن تسميته بالسياحة الرياضية  والاستشفائية والاستجماميَّة خاصَّة وأن لبنان يذخر بطاقمه الاستشفائي والطبي والتمريضي العالي المستوى.
ـ تعزيز علاقة لبنان ببقية الدول العربيَّة والإقليميَّة باستثناء الكيان الإسرائيلي،من خل بناء جسور الأخوة والصداقة بهدف تحفيذ الاشقاء العرب ورعايا الدول الشرق أوسطية والافريقية لاعتماد لبنان كوجهة سياحية يلقون فيها ما يلزم من سُبُلِ الراحة والترفيه.
ـ إعطاء أولويَّة إعلاميَّة لما يُعرف بالترويج السّ~ياحي للبنان على المستويين الزلي والإقليمي.
ـ تشجيع السياحة الداخليَّة من خلال الترويج لها عبر وسائل الاعلام، كما عبر تعريف الطلاب على المناطق والمعالم السياحية اللبنانية.
ب ـ القطاع المصرفي: يحتوي لبنان على أعلى نسبة من المصارف قياساً على عدد السكان (ما يزيد عن 75 مصرفا)، وهذا يعزى لازدهار هذا القطاع خلال الثلاثة عقود الماضية. ولطالما افتخر لبنان بقطاعه المصرفي الذي كان الأكثر ازدهاراً بين نظرائه في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث كان يتمتع بكفاءة عالية، ما ساهم في جذبه للعديد من رؤوس الأموال العربية والشرق أوسطيَّة، خاصَّة وأنه كان يشكل ملاذاً آمناً للعديد من المتمولين العرب الذين كانوا يرغبون في استثمار أموالهم في القطاع المصرفي اللبناني، أو إيداعها في المصارف اللبنانيَّة والتي كانت توحي بالثقة والأمان في ظل كثرة التَّحولاتِ السِّياسِيَّة في دولِ المنطقة، كما لتمسُّك السُّلطات اللبنانية بنِظام السِّريَّةِ المصرفيَّة، الذي شكل عاملاُ أشاسياً في جذب الكثير من المتمولين والأثرياء ورجال السياسة الذين يرغبون في إبقاء حساباتهم المصرفيَّة قيد الكتمام.
إن إعادة الازدهار إلى القطاع المصرفي في ظل الظروف الراهنة وبعد أن تحطَّمت سمعة المصارف اللبنانيَّة لعجزها عن استيعاب أزمة السُّيولة، وخاصَّة تقنينها وإحجامها عن تسليم المودعين لإيداعاتهم قد أصبحت مسألة في غاية الصعوبة، إذ إن أهم عامل في القطاع المصرفي هو عنصر الثقة، أي ثقة الزبائن وكبار المودعين بأن إيداعاتِهم مُصانة وبأيادٍ أمينة، وهذا الأمر اليوم شبه معدوم وخاصَّة بعد الحديث عن ما يسمى بالهاركات، أي اقتطاع نسبة من قيمة الودائع، وربما نعتقد أن من يفكر بهذا المنحى تنقصه الخبرة في هذا القطاع، كما البصيرة لما قد يترتب من مجرَّد طرح هذا الأمر للتَّداول عبر وسائلِ الاعلام أو ألسنة عامَّة الناس، وما يرافق ذلك من إشاعات.
قطاع المقاولات والبناء: يشهد قطاع المقاولات والبناء في لبنان بين الفينة والأخرى ازدهاراً يدوم عدَّة سنوات ما تلبث أن تزول بعدها لفترة زمنيَّة مماثلة. تعزى حالة عدم الاستقرار في هذا القطاع لارتباطه بمدى توفر رؤوس الأموال لدى اللبنانيين وخاصَّة المغتربين منهم، إثر الطفرات المالية التي يشهدها المغتربون اللبنانيون وخاصة العاملون منهم في دول الخليج العربي وإقريقيا وبعض الدول الأوروبية وأميركا. كما لتأثره بالسياسة الإسكانيَّة التي تنتهجها الحكومات المتعاقبة، حيث كلَّما توفرت القروض المصرفية الإسكانيَّة المُيسَّرة أو المدعومة من الدولة أو من مصرف لبنان كلَّما ازدهر هذا القِطاع نتيجة ارتفاعِ الطَّلب على المساكن.
ويرتبط  قطاع المُقاولات ارتباطاً جذرياُ بقطاع البناء، فحيث يزداد الطلب على الشقق السكنية يزدهر قطاع المقاولات والعكس صحيح. واللافت أن هاذين القطاعين وبعد فترة من الركود عرفا طفرة نمو غير مسبوقة بعد حرب تموز عام 2006، حيث تدفَّقت المساعدات الماليَّة من الدول العربيَّة وبخاصَّة دول الخليج العربي وفي مُقدِّمتها دولة قطر لإعادة إعمار ما هدَّمته اسرائيل باعتداءاتها الجويَّة التي طاولت مُختلف المناطقِ اللبنانيَّة، ولكنه ما لبث أن تراجع الوضع إلى وضع أسوأ مما كان عليه قبل الاعتداء الاسرائيلي في حرب تموز، ولكن هذه المرَّة بسبب الأزمة المالية ووقف العمل بالقروض السَّكنية المدعومة من مصرف لبنان، والوضع ينذر بمزيد من التَّدهور نتيجة تهاوي قيمة العملة الوطنيَّة والضائقة المَعيشية التي يُعاني منها اللبنانيون في ظل الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة، والتي زادتها حدَّة تقشي جائحة الوباء كورونا.
إن هذا القطاع على الرغم من أهميَّته ودلالاته على مدى رفاهية الأفراد في المجتمع وقدرتهم على توفير المسكن الآمن، إلاَّ أنه لا يصبُّ في خانة القطاعاتِ المُنتجِة، وإن كان يُسهمُ في توفيرِ مجالٍ واسعٍ لليد العاملة، ولكن في لبنان للأسف من يعمل في هذا القطاع هم عمال موسميون غير لبنانيين يسهمون تسريب العملات الصعبة لخارج لبنان.

البنى التَّحتيَّة ودورها في النُّهوض الإقتصادي: تعتبر البنى التحتية بما تشمل من مواصلات واتصالات وهاتف وكهرباء وغيرها في أي بلد أهم ركيزة من مُرتكزات النهوض الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة، وهذا كان سبَّاقاً إليه دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والذي بادر في بدء عملية إعادة الإعمار إلى تأسيس بنية تحتيَّة على قدر كبير من الأهميَّة، وذلك على الرغم من حملات التشكيك والتشويه التي طاولته "تحت مقولة للحجر وليست للبشر"، وللأسف منذ استشهاده لليوم لم يشهد لبنان أيَّة عمليَّات تحديث لبنيته التَّحتية بل إن مُعظَمها لم يَحظى بأعمال الصيانة ما جعلها غير صالِحةٍ في كثير من الأماكن. وإن تطوير هذه البنى أضحى بحاجة ماسَّة اليوم للقيام بما يلي:
ـ توسعة وتطوير شبكات الطرقات ما بين مُختلفِ المناطقِ اللبنانيَّة وخاصة ما بين منافذ العبور البحرية والجويَّة والبريَّة، بهدف تشجيع التجار في الدول المجاورة من اعتماد منافذ العبور اللبنانية لاستيراد وتصدير منتجاتهم، كما يسهم في تنمية حركة السياحة.
ونخلُص من كل ما تقدم للقول بأن تحقيق النمو الاقتصادي كناية عن عملية متكاملة تهدف إلى زيادة الدخل القومي من خلال استخدام كافة عناصر الإنتاج الرئيسية، أي الأرض والعمال ورأس المال، التي تسهم في زيادة الإنتاج القومي، وتنمية مختلف الموارد الماليَّة بحيث تحقق مجتمعة زيادة تراكميَّة مُستمرة في الدخل القومي، مع افتراض أن تكون نسبتها أعلى من معدل النمو السكاني، على أن يراعى فيها توفير مُختلفِ الخدماتِ والحاجيَّاتِ اليوميَّة للمواطنين، والأخذ بعين الاعتبار حماية الموارد الطبيعيَّة من التلوث وترشيد استغلال الموارد غير المُتجددة، كما الحد من تفشي البطالة من خلالِ تشجيعِ المُتمولين على إنشاءِ المزيد من المؤسَّساتِ الإنتاجية في مختلف القطاعات.
كذلك ينبغي العمل على زيادة فرص العمل في مجالات مختلفة ومتنوعة، كما تشجيع المؤسَّسات الأجنبيَّة الصِّناعيَّة والتِّجاريَّة على فتحِ فروع لها في لبنان، وردم الهوَّة الكبيرة بين مداخيل الأفراد من خلال إجراء عمليَّة تقييم للرواتب من شأنها ردم الهوة الكبيرة بين رواتب كبار الموظفين والموظفين العاديين، بإعادة صياغةِ هيكليَّةِ سِلسلة الرِّتبِ والرواتِب، من أجلِ إعادة بناء الطَّبقة الوسطى أو الميسورة إلى جانب الطَّبقتين الغنيَّة والفقيرة.
وأخيراً لا بدَّ من الإشارة إلى أنه تحدونا الخشية من عدم نجاح قوى التَّغيير المنتفضةِ في إحداث تغيرٍ نوعي في المُمارسة السِّياسيَّة في لبنان، لأن الوضع السِّياسي اللبناني في مُعطياتهِ الرَّاهِنةِ غير مُرشَّح لعمليَّاتِ تطوير سياسيةٍ ملحوظةٍ ، وبالتالي لا مناص من المماحكات السياسيَّة في ظلِّ اصطِفاف التَّياراتِ السِّياسيَّة وانقِسامِها عاموديَّا، وإن الخلافاتِ ستطفو إلى الواجهة عند كلِّ مفترقٍ سياسي إقليمي أو محلي خطير أو حساس، كما أنه إن لم يحدث أي تغيير على مستوى التمثيل السياسي للتيارات السياسيَّة في لبنان، وهذا سيكون له انعكاساتُهُ السَّلبيَّةُ على الوضع الاقتصادي الذي عانى ما عاناه من التَّجاذباتِ السياسيَّة، وبالتالي سيبقى مُعرَّضاً للكثير من المَخاطر إن لم يبادر المعنيون إلى رمي خِلافاتهم جانبا، والعملِ على تبني منهجيَّةٍ علميَّةٍ تتبنى إحداث تغيير جذري في بنى ومرتكزاتِ الاقتصادِ اللبناني والسَّعي إلى تحويلهِ من قِطاع ريعي إلى قطاعٍ منتج.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى