مفاهيم في عالمنا الفكري : ما معنى الحضارة؟ (عدنان عويد)

د. عدنان عويد – الحوارنيوز
الحضارة هي جملة المكونات المادية والروحيّة والقيميّة التي تعبر عن حياة مجتمع من المجتمعات أو أمّة من الأمم، كونتها تاريخيّاً – أي هذه المكونات – المجتمعات أو الأمم التي عاشت على أرض مشتركة، لها طبيعتها الجغرافيّة والمناخيّة التي تفرض تأثيراتها البيولوجيّة والنفسيّة والإنتاجيّة على هذه المجموعة البشريّة القائمة والمستقرة على هذه الأرض منذ لآلاف السنين، الأمر الذي أوجد لهذه الجماعة أو تلك تاريخاً مشتركاً، مثلما أصبح لها عبر السياق التاريخ لهذا الحياة المعيشيّة المشتركة تاريخيّاً علاقات مشتركة.. لغة وآمال وآلام ومصالح ماديّة ومعنويّة متمايزة عن غيرها من سمات وخصائص الحضارات الأخرى التي تأثرت بها أو أثرت فيها هي. هذا ويحدد حالة تمايز ونوعيّة سماتها وخصائص هذه الحضارة أو تلك، طبيعة العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والخلقيّة الفاعلة في بنية هذه الحضارة.
والحضارة تبدأ إرهاصاتها الأوليّة حيث ينتهي الاضطراب والقلق في حياة شعب من الشعوب، ويبدأ استقرار هذا الشعب في بيئته الجغرافيّة، فإذا ما أمِّنَ الإنسان على وجوده ومارس نشاطه الحياتي لإنتاج خيراته الماديّة والروحيّة، ستتحرر في نفسه دائماً دوافع التطلع نحو تنمية وتطوير ذاته وبلورة هويتها، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعيّة والاجتماعيّة والروحيّة والابداعيّة لدى أبناء هذه الحضارة من استنهاضهم بشكل مستمر للمضيّ قدماً في طريق فهم الحياة وإغناء حضارتهم فيها.
إن الحضارة عبر سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، لا يمكن حصرها في الجانب الماديّ فقط كالمباني والقلاع والقصور، أو اختزالها في أنماطٍ سياسيّة كالإمبراطوريات والأسر الحاكمة والدول والطوائف والمذاهب فحسب، بل وبما أنتجه أبناء هذه الحضارة أيضاً من قيم روحيّة وفكريّة وأدبيّة وفنيّة وفلسفيّة، والأهم هنا برأيي إنتاج تلك المعطيات القانونيّة التي تسمح بتحقيق العيش المشترك بين المكونات الاجتماعيّة لهذه الحضارة أو تلك، على المستويات الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعية والثقافيّة، تبين بالضرورة درجة رقيّ هذه الحضارة أو تخلفها.
فالحضارة مثلاً التي وصلت إلى تحقيق دولة القانون والمؤسسات وتداول السلطة والمواطنة واحترم الرأي والرأي الآخر، والاعتراف بدور ومكانة المرأة، هي غير الحضارة التي لم تزل تعيش حالة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، والتي لم يزل مفهوم الدولة الحديثة (دولة القانون) وكل مفرداتها غائباً حتى ولو تشكلت لديها دول وأصبح لها أعلام ومؤسسات ودساتير وبرلمانات.



