رأي

أسبوع الوحدة الإسلامية… وحدة الإنسان في مواجهة الظلم والحرمان(اسامة مشيمش)

 

بقلم الدكتور أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز

تأتي ذكرى اختفاء إمام الإنسانية السيد موسى الصدر هذا العام، متزامنةً مع ذكرى أسبوع الوحدة الإسلامية الذي أطلقه الإمام الخميني في مناسبة ولادة رسول المحبة والسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبين هاتين المناسبتين، على اختلاف ظروفهما ومساراتهما، يبرز قاسم مشترك يتجاوز الحدود والمذاهب والانتماءات، عنوانه وحدة الإنسان، ورفع المظلومية، ومواجهة الحرمان، وصون كرامة النفس البشرية.

ولعل التاريخ لا يخلّد من الرجال إلا أولئك الذين تجاوزوا حدود ذواتهم، وحملوا هموم الناس، وحاولوا أن يصنعوا من أفكارهم مشروعاً يتصل بحياة الإنسان وكرامته. وقد مرّ في تاريخنا رجال وحركات وثورات، كُتب لبعضها النجاح والاستمرار، فيما تعثّر بعضها الآخر أو انكسر وهو لا يزال في بداياته.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة الإمام المغيب السيد موسى الصدر بوصفها نموذجاً فريداً لعالم الدين الذي لم يحصر رسالته في حدود المنبر والمسجد، بل أخرج العمامة من إطارها التقليدي لتجوب المدن والقرى والأحياء المهمشة، وتقترب من الفقراء والمحرومين، وتستمع إلى وجعهم، وتتعرف إلى حاجاتهم، وتحول المعاناة الاجتماعية إلى قضية عامة تستحق النضال من أجلها.

لقد أراد الإمام الصدر أن يقول إن موقع عالم الدين ليس بعيداً عن الناس، بل بينهم؛ يحمل همومهم، ويدافع عن حقوقهم، ويقف إلى جانب المستضعفين، ويجعل من مقاومة الظلم مسؤولية دينية وإنسانية وأخلاقية.

وعند قراءة سيرة الإمام الصدر ومسيرته، يمكن ملاحظة تقاطعات عميقة في الرؤية مع مسار الثورة الإسلامية في إيران. فقد احتضن الإمام المغيب عدداً من المعارضين الإيرانيين في زمن الشاه، وفتح لهم مساحة للتواصل والعمل، وكان من بينهم الدكتور مصطفى شمران والسيد أحمد الخميني وغيرهما. كما تشير روايات متداولة إلى إسناد مهمات أمنية ولوجستية لبعض العاملين في حركة أمل خلال فترة وجود الإمام الخميني في باريس، ومن هؤلاء المرحوم الأخ عقل حمية.

ولا ينبغي قراءة هذه الوقائع باعتبارها مجرد تفاصيل عابرة في تاريخ العلاقات بين شخصيات أو حركات سياسية، بل ضمن سياق أوسع من التفاعل الفكري والإنساني والسياسي بين حركتين نشأتا في بيئتين مختلفتين، لكنهما التقتا عند الإحساس بالمظلومية ورفض الاستبداد والهيمنة الأجنبية والدفاع عن كرامة الإنسان.

ومن هنا، فإن التقارب بين المقاومة اللبنانية والثورة الإسلامية في إيران لم يكن، في جوهره، وليد ولادة تنظيم سياسي بعينه، ولا نتاج حسابات ظرفية فحسب، بل كان له جذور أعمق ارتبطت بهموم مشتركة وتجارب متقاربة في مواجهة واقع إقليمي ودولي اتسم بالاستبداد والتبعية والهيمنة، وبمحاولات السيطرة على مقدرات الشعوب وإبقائها في دائرة الفقر والتهميش.

إن استحضار هذه المعاني في أسبوع الوحدة الإسلامية يكتسب أهمية خاصة في زمن تتزايد فيه الانقسامات داخل الأمة، وتتحول فيه الاختلافات المذهبية والسياسية إلى أدوات للصراع والتفكك. فالوحدة التي نحتاج إليها ليست وحدة الشعارات والمناسبات فقط، بل وحدة الموقف من الظلم، ووحدة المسؤولية تجاه المظلوم، ووحدة الرؤية التي تجعل الإنسان وكرامته محوراً لأي مشروع نهضوي.

ومن هنا، فإن أسبوع الوحدة الإسلامية ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة اكتشاف المشترك الإنساني بين المسلمين، بل وبين جميع أبناء الإنسانية. فالمظلوم لا يُسأل عن مذهبه قبل أن يُنصر، والمحروم لا تُقاس حاجته بانتمائه، وكرامة الإنسان لا تتجزأ بحسب الدين أو الطائفة أو القومية.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً للرحمة، وكانت رسالته دعوة إلى تحرير الإنسان من الظلم والعبودية والاستغلال. ومن هذه الروحية، يمكن أن نفهم الوحدة الإسلامية بوصفها مشروعاً أخلاقياً وحضارياً قبل أن تكون عنواناً سياسياً.

وفي ذكرى أسبوع الوحدة الإسلامية، نستشرف مستقبلاً لأمة تستطيع أن تتجاوز جراحها وانقساماتها، وأن تتوحد حول قيم العدالة والحرية والكرامة، وأن تجعل من اختلافها مصدر غنى لا سبباً للخصومة. وحدةٌ لا تقوم على إلغاء التنوع، بل على احترامه، ولا تستهدف الآخر، بل ترفع الظلم عن كل مظلوم، وتدفع الحرمان عن كل محروم، أياً كان دينه أو مذهبه.

تلك هي الرسالة التي تستحق أن نحملها من سيرة الإمام المغيب السيد موسى الصدر، ومن تجربة الإمام الخميني، ومن سيرة رسول المحبة والسلام: أن الإنسان أولاً، وأن كرامته قضية لا تقبل التجزئة، وأن مواجهة الظلم مسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الطائفة أو الوطن أو المذهب.

وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للوحدة التي نحتاج إليها اليوم: أن نلتقي على الإنسان، لنلتقي من بعده على الحق والعدل والرحمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى