رأي

لبنان في رئاسة مؤتمر الوحدة الإسلامية..حضورٌ وطني ورسالةٌ تتجاوز الانقسام (سعيد فارس السعيد)

 

كتب سعيد فارس السعيد – الحوارنيوز

ليس حضور لبنان في المؤتمر الدولي الرابع للوحدة الإسلامية المنعقد في طهران مجرد مشاركة بروتوكولية في مناسبة دينية، بل هو حضور يحمل دلالات وطنية وعربية وإسلامية مهمة، ولا سيما أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان تمثّل بنائب رئيسه العلامة الشيخ علي الخطيب، الذي شارك بصفته عضواً في الهيئة الرئاسية والهيئة العلمية العليا للمؤتمر،

واعتلى المنصة الرئيسية في جلسة الافتتاح إلى جانب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية وشخصيات إسلامية دولية.

وهذا الموقع الذي حظي به لبنان، ممثلاً بالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يعكس أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه لبنان في قضايا الحوار الإسلامي والتقريب بين المذاهب وتعزيز التعاون بين شعوب ودول العالم الإسلامي.

___الخطيب…
صوت لبنان في مؤتمر الوحدة.

جاءت كلمة العلامة الشيخ علي الخطيب لتعبّر عن رؤية تتجاوز الحدود اللبنانية إلى قراءة أوسع للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي، في ظل ما وصفه بالتحديات الحضارية والوجودية غير المسبوقة، وما تشهده المنطقة من حروب ودمار وتهجير واستهداف لشعوب ودول متعددة.

وأكد الخطيب أن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالتفرقة والانقسام، وإنما بالتمسك بالرسالة المحمدية وقيمها الإنسانية والأخلاقية، وبناء عناصر القوة والاقتدار التي تمكن الأمة الإسلامية من حماية مصالحها واستقلالها وسيادتها.
ومن أبرز ما طرحه العلامة الخطيب الدعوة إلى تشكيل هيئة للحوار مع حكومات العالم الإسلامي، بهدف طمأنتها، وتجاوز الأحكام المسبقة والهواجس والعوامل التي تعيق التقارب والتعاون بين الدول الإسلامية.
وهذه الدعوة تكتسب أهمية خاصة، لأنها تنقل مفهوم الوحدة الإسلامية من إطار الشعارات العامة إلى آلية عملية للحوار وبناء الثقة وحل الخلافات.
الوحدة ليست إلغاءً للخصوصيات
ومن النقاط المهمة في كلمة الخطيب تأكيده احترام خصوصية كل دولة إسلامية وسيادتها ووحدة أراضيها، مع التشديد في الوقت نفسه على أن التعاون والتضامن الإسلامي الفعال أصبحا ضرورة لحماية دول وشعوب المنطقة.
فالوحدة الإسلامية، كما ينبغي أن تُفهم، لا تعني إلغاء الدول أو المذاهب أو الخصوصيات الوطنية، وإنما تعني إيجاد مساحة مشتركة يتعاون فيها الجميع على حماية مصالح الأمة، ومنع تحويل الاختلافات إلى صراعات وحروب.
ومن هنا جاءت دعوته إلى إزالة الهواجس التي تمنع توحّد المسلمين وتكاملهم، وإلى اتخاذ خطوات جريئة في اتجاه التراحم والتعاون من جهة، ورد العدوان عن الأمة من جهة أخرى.
من الوحدة الكلامية إلى الاقتدار
ومن أهم مضامين كلمة العلامة الخطيب أيضاً تأكيده أن العالم الإسلامي لا يستطيع مواجهة مشاريع الهيمنة والعدوان من موقع الضعف والتشتت، بل يحتاج إلى بناء عناصر القوة والاقتدار في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية والتكنولوجية.
فالاقتدار، في هذا السياق، ليس دعوة إلى الحرب، وإنما هو امتلاك القدرة على حماية الاستقلال والسيادة ومنع الآخرين من فرض إرادتهم على دول وشعوب المنطقة.
وهذه الفكرة تلتقي مع ما طرحه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في افتتاح المؤتمر، حين دعا الدول الإسلامية إلى تجاوز الخلافات السياسية والمذهبية، وتحويل طاقاتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية إلى قوة مشتركة.

__لبنان…
رسالة اعتدال وحوار.

إن مشاركة لبنان في الهيئة الرئاسية للمؤتمر، من خلال العلامة الشيخ علي الخطيب، تتيح للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن يؤدي دوراً مهماً في تقديم النموذج اللبناني القائم على التعدد والتنوع والحوار.
فلبنان، رغم أزماته وحروبه وانقساماته، يبقى بلداً تتعايش فيه طوائف ومذاهب متعددة، ويمكن لصوته أن يكون صوتاً داعياً إلى تجاوز منطق الصراع المذهبي، والانتقال إلى منطق الشراكة الوطنية والإنسانية.

كما أن حضور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في مثل هذه المحافل الدولية يؤكد أن القضايا الإسلامية لا ينبغي أن تُختزل في الانتماءات المذهبية أو السياسية، بل يجب أن تكون الوحدة والتقريب وحماية الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات.
رسالة إلى العالم الإسلامي
لقد حملت كلمة العلامة الشيخ علي الخطيب رسالة واضحة:
الأمة الإسلامية أمام مرحلة لا تحتمل المزيد من التشرذم.
فالخلافات السياسية والمذهبية يمكن إدارتها بالحوار، أما تحويلها إلى صراعات مفتوحة فإنه يضعف الجميع ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
ومن هنا تبدو دعوته إلى إنشاء هيئة حوار مع حكومات العالم الإسلامي خطوة تستحق الاهتمام والدراسة، لأنها يمكن أن تشكل إطاراً للتواصل المباشر، وبناء الثقة، ومعالجة سوء الفهم، وتخفيف التوترات بين الدول الإسلامية.
إن العالم الإسلامي يمتلك أكثر من ملياري إنسان، وثروات وطاقات بشرية وعلمية واقتصادية هائلة، لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى إرادة سياسية مشتركة وآليات تعاون حقيقية حتى تتحول من طاقات متفرقة إلى قوة حضارية مشتركة.

___لبنان حاضر… والمسؤولية أكبر

إن وجود لبنان في رئاسة مؤتمر الوحدة الإسلامية، ممثلاً بالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ليس مجرد تكريم للبنان، بل هو أيضاً مسؤولية ورسالة.
مسؤولية في الدفاع عن الحوار والتقريب، ورسالة في التأكيد أن الوحدة الإسلامية لا تعني إلغاء التنوع، وأن احترام السيادة الوطنية لا يتعارض مع التضامن بين الدول والشعوب، وأن الاختلاف المذهبي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة سياسية أو صراع دموي.

لقد كان حضور العلامة الشيخ علي الخطيب في المنصة الرئيسية للمؤتمر تعبيراً عن حضور لبنان في واحدة من أهم القضايا التي تواجه العالم الإسلامي اليوم.

وإذا كان العالم الإسلامي يريد أن ينتقل من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، ومن التفرقة إلى التكامل، ومن الاستضعاف إلى الاقتدار، فإن الطريق يبدأ بالحوار، وبناء الثقة، واحترام الخصوصيات، وتوحيد الجهود في مواجهة العدوان والفتن ومشاريع الهيمنة.
ومن هنا، فإن صوت لبنان في مؤتمر الوحدة الإسلامية يجب ألا يبقى صوتاً في قاعة مؤتمر، بل ينبغي أن يتحول إلى موقف وعمل ومبادرات، تساهم في بناء جسور الحوار والتعاون بين شعوب ودول العالم الإسلامي.

*سعيد فارس السعيد كاتب وباحث مستقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى