ما مدى تأثير الأصالة ( التراث ) والمعاصرة (الحداثة) على وعي وسلوكيات المجتمعات العربيّة ؟ (عدنان عويد)

بقلم د. عدنان عويد – الحوارنيوز
على الرغم من إشكاليّة المصطلحين، وما دار حولهما من خلاف بالنسبة لتحديد دلالاتهما على مستوى الساحة الثقافيّة العربيّة والإسلاميّة منذ بداية النصف الأول للقرن التاسع عشر، ممثلاً الخلاف هنا بـ (علاقة الشرق بالغرب) أولاً، وصولاً إلى هذا التاريخ حيث أصبح الخلاف يدور أيضاً حول ( مفهومي الأصالة والمعاصرة أو الحداثة)، إلا أننا نستطيع أن نحدد دلالات كل منهما بشكل أولي من خلال اطلاعنا على جوهر هذا الصراع بين من كان من مؤيدي التمسك بالتراث/ الشرق، ضد من يدعو إلى الأخذ من الغرب/ المعاصرة أو الحداثة، أو من كان يعمل على التلفيق أو التوفيق بينهما تحت مسميات تلاقح الحضارات، أو حوار الحضارات …الخ .
لقد تبين لنا أن التراث في سياقه العام، هو كل ما أنجزه الأسلاف للأخلاف، بغض النظر عن مدى فائدة أو عدم فائدة ما أنجز، بالنسبة لما نعيشه الآن، لأن معايير التقويم هنا ليست واحدة تجاه التراث، فهي مختلفة بالنسبة لمن اشتغل عليه من الكتاب والباحثين، حيث تلعب عوامل كثيرة هنا في إطلاق الأحكام، فمنها ما يرتبط بنوعية وعمق ثقافة المهتم أو الدارس، وكذلك بطبيعة المصالح الماديّة والمعنويّة المرتبطة بهذا التراث، ومدى قوة المعاصرة وسعة انتشارها في المحيط الذي تنوجد فيه، إضافة إلى دور القوى السياسيّة الحاكمة وتوجهاتها الفكريّة والسياسيّة أو الأيديولوجية بشكل عام، كما يرتبط الأمر أيضاً بطبيعة العلاقة التي يقيمها هذا المجتمع أو ذاك مع الغرب ذاته…الخ.
أما المعاصرة فهي تتحدد هنا برأيي في اتجاهين :
الأول : هو كل ما أنتجه الغرب من قضايا ماديّة وفكريّة، وفُسح لها المجال أن تعبر محيطها الجغرافي والاجتماعي إلى العالم الآخر بفعل التطور الهائل الذي حققته هذه المجتمعات الغربية على المستوى التكنولوجي والعلمي عموماً من جهة، وبفعل الاستعمار وتأثيراته على الدول المستعمرة بكل أشكالها من جهة ثانية، وأخيراً بفعل ما حققته مسألة التلاقح والتفاعل الحضاري بفعل التطور التكنولوجي الهائل، ومنه الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات من جهة ثالثة.
الثاني : ما تفرزه طبيعة التطور (الموضوعي والذاتي) التي تحدث للمجتمعات عموماً في سياق سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، فالتطور يُحدث دائماً ما هو جديد (معاصر/ حداثي)، وهذا أمر طبيعي، لذلك غالباً ما يعتبر الجديد بدعة لدى بعضهم، حتى ولو كان نتاج الواقع ذاته، مثلما يعتبر أمراً ايجابيّاً أيضاً لدى البعض الآخر.
هذه هي معطيات الأصالة والمعاصرة وتجلياتهما كما نفهما، أو ما يتطلب منا البحث فيهما بالنسبة لطبيعة الموضوع الذي نشتغل عليه هنا.
نعود ثانية للإجابة عن السؤال المطروح في هذا الاتجاه لنقول: إذا كان الكثير من قضايا التراث المتعلقة بأسلوب الحياة، مثل نمط العيش عموماً، ودرجة ضعف أو قوة قوى وعلاقات الإنتاج وما ترتب عليهما من تطور في الأسلوب الإداري والمؤسساتي للدولة والمجتمع، قد تغير في قسم كبير منه بفعل عوامل التطور الموضوعي والذاتي التي تصيب المجتمع من الداخل، ثم بفعل التأثر بالحضارة الغربية، حيث فرض هذا التطور نفسه بالضرورة على كل من حاول الوقوف أمام استبدال (العمامة بالطربوش) سابقاً، وما ينسحب على مثل هذا المثال وعلى كافة المستويات سابقاً ولاحقاً. فإن الكثير من قضايا التراث على المستوى الفكري، وبخاصة ما يتعلق منها بالجانب ألقيمي/ الأخلاقي، والسياسي، والفكري الرافض لـ ( الديمقراطية – العلمانية- الليبرالية- الحداثة- تحرر المرأة ..الخ)، لم تزل قائمة ومهيمنة على عقول أبناء المجتمع، ولها من القوة بمكان ما يجعلها قادرة على عرقلة تطور المجتمع وشدّه إلى الوراء، بل وجعله يمارس سلوكيات ويتمسك بمرجعيات تقليدية تجاوزها الزمن، أخذت تجعل من المتمسكين به (داعش – النصرة) – على سبيل المثال لا الحصر – بنظر الغرب على وجه الخصوص كائناً إرهابيّاً مرفوضاً على مستوى الساحة العالميّة، كما نرى ونسمع ونعيش في هذه الأيام .
إذاً، التراث والمعاصرة لم يزالا في حالات تناقض وصراع على مستوى المجتمع بكل قواه الاجتماعيّة، وخاصة على المستوى الفكري، حيث ما زلنا نجد الكثير ممن يشتغل على إعادة إنتاج الجوانب السلبيّة في هذا الاتجاه، وقد وظف الكثير من وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافيّة التي تشتغل على الفكر الطائفي، ورفض الأخر، وضرورة التمسك بكل ما أنتجه الأسلاف، واعتبار الغرب كافراً وملحداً وكل من يحاول التأثر فيه، أو الأخذ منه، أو التسويق حتى لقضاياه الايجابية فهو معاد للأمّة والإسلام .
هكذا نرى إذا، بأن مسألة التحرر الذاتي بالنسبة لنا لم تتحقق بعد، فنحن أمّة لم يزل ثقل سلبيات الماضي ينيخ على ظهورنا وعقولنا، ولم نستطع بفعل هذا الحمل الذي ما زال الكثير من أبناء مجتمعنا يزيدون من كلكله ويعملون على إعادة أنتاج مقوماته في عصرنا الراهن، الأمر الذي جعل منا أمّة خارج التاريخ، في الوقت الذي نمتلك فيه كل المقومات التي تستطيع أن تدخلنا التاريخ وبقوة لو عرفنا كيف نتعامل مع هذه المعطيات.
*كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.



