رأي

حليمة قعقور.. لا تشبهك سقطة البيئة ! (ريما فرح)

كتبت د. ريما فرح – الحوارنيوز

رغم أنني لم أكن من المقتنعين ولا من المشجعين لما سمي ثورة 17 تشرين، إن لم أقل من المتشائمين بما سيجرّون البلد اليه، كما ولم أكن وما زلت من المعجبين بما أفرزته انتخابات 2022 من نواب تغييريين، لكني كنت أرى في حليمة قعقور نائبة مختلفة، وأنها تكاد تكون الاستثناء بينهم.

فهي من النواب القلائل الذين “بيعَبّوا الراس” فعلاً؛ إنها ليست نائبة استعراض، بل نائبة تقرأ، تبحث، تدقق، وتدخل إلى الملف من بابه القانوني والسياسي، لا من باب المزايدة. كنت أحترم طريقة بنائها لمواقفها، وقدرتها على المحاججة ومقارعة خصومها بالحجة والمنطق والقانون.

 

غير أن في مداخلتها في جلسة مساءلة الحكومة الأخيرة، وخصوصاً ما تناولته في ملف وزارة البيئة، كانت مفاجئة لي ومخيّبة.

لأن حليمة قعقور، تحديداً، كان يفترض أن تدرك أن الملف القانوني لا يُبنى على الانطباع، وأن الاتهام تحت قبة البرلمان ليس تفصيلاً عابراً، وأن من يختار موقع المساءلة عليه أن يكون أكثر تدقيقاً من سواه.

ففي ملف الضرر البيئي والمقالع، لم تكن الصورة التي قُدّمت في الجلسة هي الصورة الكاملة، بل إن بعض ما قيل كان مبنياً على معلومات مغلوطة.

فوزارة البيئة في هذه الحكومة تسلّمت هذا الملف بعد سنوات من الإهمال والتراكم والعبث الإداري. وما كان قد أُرسل قبل شباط 2025 لم يتجاوز 71 أمر تحصيل، أُعدّت بطريقة أقل ما يقال فيها إنها غير مهنية: نماذج على ملفات Word، أخطاء في أسماء المكلفين وعناوينهم، وأخطاء في احتساب المبالغ.

هل كان المطلوب من وزيرة البيئة أن تتغاضى عن ذلك؟ وأن ترسل أخطاء جديدة لأن الأخطاء القديمة أصبحت أمراً واقعاً؟

ما فعلته تمارا الزين كان العكس تماماً. رفعت الملف إلى مجلس الوزراء، وعملت مع الإدارات المعنية على تصحيح المسار، واعتمدت أعلى معايير الاحتساب، ولم تتخلَّ عن قرش واحد من حقوق الدولة. بل أرسلت حتى الآن أوامر تحصيل عن الأضرار البيئية تتجاوز قيمتها مليار دولار، وهي تعمل على تصحيح واستكمال أوامر إضافية تتجاوز قيمتها ملياري دولار، بالتنسيق مع وزارة المالية.

نعم، أصحاب المقالع اعترضوا أمام وزارة البيئة وأمام المحاكم ومجلس شورى الدولة. وهذا حقهم، وسواء كانوا على حق أو غير حق فهنالك مراجع لها الكلمة الفصل، أما القول إن الوزارة “ترسل أوامر تحصيل غلط”، أو أن إجاباتها على هيئة القضايا غير كافية، فهذا يحتاج منك إلى قراءة الملف كاملاً قبل إطلاق الحكم.

فما يجري في وزارة البيئة ووزارة المالية وهيئة القضايا هو مدار متابعة وجهد يومي تقوم به وزيرة البيئة مع الفريقين القانوني والتقني، كما وتتابع مئات الردود على الاعتراضات، كما متابعتها مع هيئة القضايا. وأي أخطاء قد ترد في بعض أوامر التحصيل لا تعني أن الوزارة “تخترع” الأرقام، إذ إن جزءاً من المعطيات يقوم على المسوحات والمعلومات الواردة من الجيش وقوى الأمن الداخلي.

 

فيا حليمة الحبيبة، لقد سجلت عليك سقطة، وسقطة الشاطر بألف…

فإذا كان المقصود أن تتحول قضية بهذه الدقة القانونية والتقنية إلى مادة شعبوية، فعندها يصبح في الأمر عيباً، والأكثر عيباً وأذىً أن يصدر هذا الكلام عن النائبة الحليمة، لأنها تعرف تماماً الفرق بين مساءلة مبنية على وثائق، وبين انطباع يُلقى في جلسة برلمانية.

ولعل ما لا تعرفه، أو ما لم يصلها بصورة جلية، أن تمارا الزين تتعرض منذ مدة لهجوم ممنهج، في ملفات عدة، منذ بدأت بإرسال أوامر التحصيل إلى أصحاب المقالع والعابثين بالبيئة، ووصل الأمر، إلى تهديدات مباشرة لشخصها.

وهنا ربما تكمن مشكلة، لا بل مشكلة الوزيرة ومصيبتها، أنها تعمل بصمت، في زمن بات الصمت يحتسب ضعفاً، 

فلا ترفع الصوت. ولا تستعرض. ولا تركض وراء الكاميرات لتتباهي بما تعتبره واجباً في مسؤولياتها. ولا تدخل في سجالات للدفاع عن نفسها كلما تعرضت لهجوم أو افتراء.

فعيب تمارا الزين أنها لا تعترف أن الصمت في بلدنا، للأسف، قد يُفهم أحياناً على أنه ضعف، فيما الفجور والعوهرة الإعلامية أصبحتا صيحة من صيحات “الحقيقة” مسبقة الدفع.

ما تقوم به تمارا الزين لا ليس بالمهمة السهلة. لقد فتحت ملفاً لا بل وكراً، كان الاقتراب منه مكلفاً، في مواجهة مصالح نافذة وأصحاب سطوة اعتادوا أن يكونوا أقوى من الدولة.

فكيف والقضية مرتبطة بأوامر تحصيل تتجاوز قيمتها ثلاثة مليارات دولار أميركي تنتزع من أصحاب الجيوب التي لا تشبع، لصالح الدولة؟.

لذلك، يا سعادة النائبة، المطلوب منك ليس الدفاع عن تمارا الزين، ولا الثناء على عملها، بل  فقط شيئ يليق بحليمة قعقور التي عرفناها: أن تعودي إلى الملف، تدققي. تقارني تسألي، تراجعي ما قيل وما استند إليه كلامك.

وسيتبيّن لك أن الاتهام لم يكن في مكانه.

وحينها لا تقتضي الفضيلة إلا أن تصححي.. ولا أقول تعتذري.

صحيح أن الوزير أو الوزيرة ليسا فوق المساءلة، لكن المساءلة نفسها تفقد قيمتها حين تُبنى على معلومة غير دقيقة.

كنت أعتقد أن حليمة قعقور آخر من تأخذهم أجواء الهمروجة الشعبوية، ولهذا كانت السقطة مؤسفة.

فثقي أيتها النائبة التغييرية، أن الناس قد تصفق للخطاب العالي السقف في لحظته، لكن ما يبقى في النهاية هو الحقيقة.

وحليمة قعقور، التي تكاد تكون الوحيدة من بين نواب “التغيير” التي “تملأ الرأس” قبل أن تملأ المنبر، تستطيع أن تنهض من هذه السقطة بتصحيح ما غاب عنها، وعندها ستكون كلمتها في هذا الشأن أقوى من خطاب البرلمان، ولو كان منقولاً مباشرة على الهواء.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى