من كبائن الهاتف إلى معامل الكهرباء: حكاية دينٍ لا يموت وأصولٍ تتحول إلى خردة (عماد عكوش)

كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز

الاستدانة لتمويل البنية التحتية ليست عيبًا اقتصاديًا في ذاتها. فالمنطق المالي السليم يقول إن الأصل الذي يخدم خمسين سنة ينبغي أن توزع كلفته على الأجيال التي تنتفع به ، لا أن يتحملها جيل واحد. لكن هذا المنطق ينهار عندما يُبنى الأصل بعمر افتراضي خمسين سنة ، ثم يتعطل أو يُسرق أو يتحول إلى خردة خلال خمس سنوات . عندها يبقى الدين ، وتختفي المنفعة ، ولا يبقى للمواطن إلا الفاتورة. هنا لا تكون المشكلة في الاقتراض ، بل في الاقتصاد السياسي الذي يحوّل الاستثمار إلى هدر منظم.
المعادلة المالية واضحة ، صافي القيمة الحالية يساوي مجموع المنافع المستقبلية مخصومةً بسعر الفائدة ، ناقص تكلفة الإنشاء ، ناقص تكاليف التشغيل والصيانة. أما مقياس قدرة المشروع على خدمة دينه فهو نسبة تغطية خدمة الدين ، أي التدفق النقدي المتاح مقسومًا على الأقساط والفوائد السنوية. إذا كانت النسبة أكبر من واحد ، فالمشروع قادر على خدمة دينه. وإذا كانت أقل من واحد ، فهو يعتمد على الميزانية العامة أو على قروض جديدة ، أي أنه يتحول إلى عبء على الأجيال القادمة. المشكلة أن كثيرًا من الحكومات تحسب تكلفة الإنشاء فقط ، وتنسى تكلفة دورة الحياة وهي الصيانة الوقائية ، قطع الغيار ، التأمين ، الأمن ، التدريب ، تحديث التكنولوجيا ، وإعادة التأهيل. ولهذا تظهر المشروعات ناجحة على الورق ، ثم تنهار على الأرض.
لنأخذ مثالًا رقميًا بسيطًا ، مشروع كلفته مليار دولار ، مموّل بقرض لمدة عشرين سنة بفائدة ستة بالمئة. العمر الاقتصادي المفترض خمسون سنة، أي أن الإهلاك السنوي نحو عشرين مليون دولار. خدمة الدين السنوية تقارب سبعة وثمانين مليون دولار، أي أن إجمالي ما سيدفع خلال عشرين سنة يبلغ نحو مليار وسبعمئة وأربعين مليون دولار. لو تعطل المشروع بعد خمس سنوات، وتحققت منافع تقديرية لا تتجاوز مئة مليون دولار، فإن الخسارة الصافية تتجاوز مليارًا وستمئة مليون دولار ، فضلًا عن تكاليف التشغيل الغائبة والفرص البديلة التي كان يمكن تمويلها. هذه ليست خسارة محاسبية عابرة ، بل خسارة تنموية تعني أن الجيل القادم سيدفع دينًا على أصل ميت.
لماذا تموت الأصول قبل عمرها؟
الجواب يبدأ من التصميم والشراء ، مواصفات رديئة ، عقود فاسدة ، استيراد تجهيزات لا تتوفر لها قطع غيار ، واختيار تكنولوجيا غير مناسبة للبيئة المحلية. ثم يأتي الإنشاء ، غش في المواد ، تقليل كميات الحديد والإسمنت ، وعدم الالتزام بالجودة. بعد ذلك يأتي التشغيل ، تعيينات سياسية وليست مهنية ، غياب الصيانة الوقائية ، واعتماد على إصلاحات طارئة. ويضاف إلى ذلك انعدام الأمن ، حيث تُسرق الكابلات النحاسية والحديد والبطاريات والمحولات ، حتى قضبان السكك الحديدية تباع في السوق السوداء. أما التسعير ، فهو غالبًا أقل من التكلفة ، مع دعم غير مستهدف وضعف في التحصيل ، فيهرب المستفيدون من الدفع. وفوق ذلك كله ، تغيب الحوكمة ، لا جرد أصول ، لا محاسبة ، لا عقود أداء ، لا مساءلة. والسياسة تفضّل التدشين الجديد على صيانة القديم ، لأن الصيانة لا تمنح صورة ولا خطابات ولا افتتاحات.
خذ مواقف السيارات وعدادات الوقوف. تركيب الأجهزة ليس مشروعًا معقدًا وقد تم تركيبه في لبنان،وخاصة في بيروت وضواحيها ، لكنه يحتاج إلى صيانة ، وتحصيل ، وكاميرات ، وعقوبات ، وإدارة. إذا انعدمت هذه العناصر، يتحول الجهاز إلى قطعة حديد ملقاة، أو يُسرق ، أو يبقى معطلًا. وفي غياب فرض القانون ، لا يدفع الناس ، فلا توجد إيرادات ، فتنقطع الصيانة ، فتتحول الاستثمارات إلى خسارة كاملة.
وكبائن الهاتف العمومي مثال رمزي اخر . في لندن ، كثير من الكبائن أُزيل ، لكن ما بقي منها إما صُنّف تراثًا ، أو أعيد توظيفه ، أو دار كأصل له قيمة. السبب ليس أن البريطانيين لا يسرقون ، بل أن هناك ملكية واضحة ، وتنظيمًا ، وصيانة ، وعقوبات ، وإدارة أصول. عندنا ، تغيرت التكنولوجيا من الهاتف الثابت إلى المحمول ، لكن في لبنان بدل تحديث الأصل أو بيعه أو إعادة استخدامه ، تُرك يُسرق ويصدأ.
الباصات مثال اخر، فمنذ التسعينيات خطّط لبنان لمشروع نقل مشترك حديث: باصات مستوردة، خطوط، مواقف، وإدارة عامة تربط بيروت بالمناطق. لكن التعيينات السياسية، غياب الصيانة وقطع الغيار، وعدم إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة، جعلت المشروع هيكلًا بلا منظومة. ومع انهيار 2019 وأزمة المحروقات و2020، توقف كل شيء: لا دولار، لا وقود، لا قطع غيار، ولا تذاكر ولا مسارات. فتُركت الباصات في الساحات، وسُرق بعضها، وقُطعت قطعها، وبيع بعضها خردة، وبقي الباقي صدأً ينتظر المصير نفسه. وهكذا بعد أربعين سنة، لم يصل لبنان إلى نقل عام حقيقي، بل إلى خردةٍ في الشارع ومواطنٍ يدفع الثمن وحده.
السكك الحديدية أصل استراتيجي ايضا ، يمكن أن يعيش أكثر من خمسين سنة ، لكنه يحتاج إلى صيانة مستمرة ، وأمنًا على المسارات ، وعربات حديثة ، وعقود شحن ، وتسعيرًا واقعيًا. إذا سُرقت القضبان وبيعت خردة ، وإذا أُهملت العربات ، وإذا دُمرت الإدارة بالتعيينات السياسية ، فلا يبقى من المشروع إلا الهيكل والديون. وباصات النقل العام تموت سريعًا عندما تُستورد بلا قطع غيار ، ويُسرق الوقود ، وتُدار الخطوط سياسيًا ، ويُهمل السائقون والميكانيكيون ، وتُمنع الزيادة في التعريفة لأسباب انتخابية. النتيجة حافلات مهترئة ، وخدمات سيئة ، ومواطن يهرب من النقل العام إن استطاع.
أما معامل الكهرباء والماء ، فهنا تظهر الخسارة بأكبر صورة. محطات التوليد ، والمحولات ، وشبكات النقل ، ومحطات معالجة المياه ، والمضخات ، كلها أصول تعيش ثلاثين إلى خمسين سنة إذا صينت. لكن في لبنان توجد عقود توليد مبالغ فيها ، ووقود غير مؤمّن ، وصيانة مؤجلة ، وسرقة للتيار والمياه ، وتوصيلات غير قانونية ، وفاقد فني وتجاري ضخم ، وتعريفة مدعومة لا تغطي التكلفة ، ومتأخرات وديون متراكمة لشركات الوقود والمقاولين. النتيجة انقطاع متكرر للكهرباء ، وانقطاع المياه ، وخسائر تشغيلية سنوية ، بينما تبقى أقساط القروض والفوائد تُدفع من جيوب المواطنين ، هكذا كانت وهكذا ما تزال .
الفرق بين بريطانيا وغيرها ليس في العبقرية ولا في المناخ ، بل في المؤسسات. هناك ملكية واضحة ومحمية ، وصيانة بند إلزامي في الميزانية ، وإدارة مهنية ومستقلة ، وتسعير يغطي التكلفة مع دعم مستهدف ، ومساءلة قانونية ، وتخطيط لدورة حياة كاملة ، وتكنولوجيا قابلة للتحديث. وفي لبنان ، الملكية متنازع عليها ومنهوبة ، والصيانة أول ما يُقطع عند الأزمة ، والإدارة سياسية وولاءات ، والتسعير مجاني أو مدعوم للجميع ، والمساءلة إفلات وتواطؤ ، والتخطيط افتتاح ثم نسيان ، والتكنولوجيا مستوردة وغير مدعومة. الفارق الجوهري أن الأصل في النموذج الناجح يُدار كأصل طويل العمر، وفي النموذج اللبناني يُدار كمشروع سياسي قصير الأجل.
الخسارة ليست خسارة أصل فقط. هي خسارة رأس المال ، وخدمة الدين التي تستمر حتى بعد توقف المنفعة ، وتكاليف تشغيل غائبة ، وخسارة فرصة بديلة كان يمكن أن تبني مدرسة أو مستشفى أو شبكة مياه. وهي أيضًا ارتفاع كلفة الاقتراض مستقبلًا بسبب تدهور التصنيف الائتماني ، وخسارة اجتماعية تتمثل في الفقر والهجرة وانقطاع الخدمات وانعدام الثقة. والأخطر من ذلك كله هو الظلم بين الأجيال ، الجيل الحالي يستدين ، والجيل القادم يدفع دون أن يجد الأصل.
دور النظام السياسي اللبناني الفاسد هنا مركزي. الفساد ليس مجرد رشوة تُقبض ، بل نظام كامل ، محاصصة توزع المناصب والشركات على الولاءات ، وأوامر مباشرة تعني عقودًا بلا مناقصة ، ووساطة تنتج مقاولين وهميين ، وإفلات يعني لا محاسبة ولا سجن ولا استرداد أموال ، ودعم سياسي يشتري السكون الاجتماعي بتعريفة رخيصة ، واقتصاد ريعي توزع فيه الدولة الريع ولا تنتج قيمة. في هذا النظام ، سرقة كابل كهرباء ليست جريمة صغيرة فقط ، بل نتيجة طبيعية لفساد كبير يحمي الفاسدين. وإذا رأى المواطن أن الكبير يسرق ، فلماذا لا يسرق الصغير؟ وهكذا تتحول الملكية العامة إلى غنيمة.
العلاج ليس تقنيًا فقط ، بل سياسي ومؤسسي ومالي. يبدأ بجرد وطني للأصول ، ماذا لدينا؟ ما حالتها؟ ما تكلفتها؟ ثم وقف النزيف عبر أمن للأصول ، وصيانة عاجلة ، وإيقاف العقود الفاسدة ، وتدقيق الديون والعقود الكبرى ، وتحصيل المتأخرات ومحاسبة المتهربين. ثم إصلاحات مؤسسية ، هيئة مستقلة لإدارة الأصول ، شفافية كاملة في نشر العقود والمناقصات والتكاليف ، مكافحة فساد حقيقية تحمي المبلغين وتجمد الأموال وتسترد الأصول ، عقود أداء للمسؤولين وربط المكافآت بالنتائج ، وإدارة مهنية مستقلة عن الدورة السياسية. ثم إصلاح مالي يربط كل قرض بأصل محدد وعائد محدد ، وينشئ صندوق صيانة وطنيًا محميًا قانونًا ، ويعتمد تسعيرًا يغطي التكلفة مع دعم مستهدف للفقراء ، ويمنع تحويل قروض المشروعات إلى الميزانية الجارية ، ويعيد هيكلة الديون غير المستدامة. ثم إصلاح تشغيلي يقوم على الصيانة الوقائية لا الإصلاحات الطارئة ، وقطع الغيار المحلية وتدريب الفنيين ، والعدادات الذكية والتحصيل الإلكتروني وتقليل الفاقد ، والأمن المجتمعي للأصول العامة ، والتكنولوجيا المناسبة لا المشاريع الاستعراضية.
لكن كل هذا يبقى هشًا إذا لم يتغير النظام السياسي. الإصلاح السياسي شرط للاقتصاد ، استقلال القضاء والرقابة ، مساءلة انتخابية حقيقية ، استمرارية السياسات لا رهنًا لتغير الوزراء ، وفصل الملكية عن الإدارة عن التنظيم. ومستقبل الأنظمة التي ترفض هذه الإصلاحات معروف ، قد تصمد فترة بالريع أو القمع أو الدعم الخارجي ، لكن قاعدتها الاقتصادية تتآكل ، وشرعيتها تنهار ، وديونها تتراكم ، وبنيتها التحتية تتحول إلى خردة ، وكفاءاتها تهاجر ، وشبابها يفقد الثقة. وحين تنفجر الأزمة ، لا يدفع الثمن من سرق ، بل المواطن والجيل القادم وهذا ما حصل وما زال يحصل في لبنان .
الاستدانة ليست المشكلة. المشكلة أن يُبنى أصل عمره خمسون سنة بإدارة عمرها خمس سنوات. القرض يبقى ، والأصل يموت. وحين يموت الأصل ، لا يدفع الثمن من سرقه ، بل المواطن والجيل القادم. العلاج يبدأ من الاعتراف بأن الهدر ليس قدرًا ، بل نتيجة نظام سياسي ومؤسسي يسمح به. وإذا لم تتغير قواعد الحوكمة والمساءلة ، فكل قرض جديد سيُنتج خردة جديدة ، وكل مشروع جديد سيضيف دينًا جديدًا. أما إذا تغيرت القواعد ، فيمكن أن تعيش الأصول خمسين سنة ، ويصبح الدين استثمارًا ، لا عبئًا.



