رأيسياسة

ضاق الوقت.. فهل يتم التجديد لليونيفل تحت البند السابع؟ (أحمد حوماني)

 

كتب د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

عادةً ما تبدأ المفاوضات بين طرفين متنازعين على أمر ما، بوضع الشروط والشروط المضادة. ويرفع كلا الطرفين سقف مطالبه إلى الحد الأعلى، آملاً في الضغط على الطرف الآخر وانتزاع تنازلات منه تحقق مبتغاه. ويجمع خبراء العلاقات الدولية على أن المفاوضات تحتاج إلى مهارات دقيقة لضمان الوصول إلى اتفاق مربح للطرفين. ومن أبرز تلك المهارات التركيز على الأهداف لا المواقف الظاهرية المعلنة من قبل الطرف الآخر، والسعي لإيجاد بدائل تحقق نفس الهدف وإن بطرق غير مباشرة. أما أسوأ المفاوضات فتلك التي يأتي إليها طرف ما مسلّماً مسبقاً بما يريده الطرف الآخر، فتبدو وكأنها عملية إملاء شروط من طرف، وتنفيذها من طرف آخر.

في الأيام المقبلة سيشهد العالم دورة جديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يعرض وفد كل دولة المشاكل والصعوبات التي يعانيها، ويسعى إلى كسب تأييد أكبر عدد من وفود الدول لقضاياه التي يحملها معه. لكن الوقائع تشير إلى أن الجهد الحقيقي للوصول إلى المطالب والمكتسبات يتحقق في الاجتماعات التي تجري على هامش الجمعية من لقاءات ومشاورات ومفاوضات في بعض الأحيان.

لبنان مثقل بالقضايا والمشاكل والهموم التي يحملها رئيس الوفد رئيس الوزراء نواف سلام إلى الجمعية العامة. ولعل أبرز بند فيها هو ملف قوات الطوارئ “اليونيفل” في جنوب لبنان. بعد الحرب الصهيونية عليه، وما حصل من متغيرات على الساحة الجنوبية من تهميش لدور هذه القوات من قبل العدو الصهيوني وجيشه، وكذلك المطالبة المستجدة للعدو الصهيوني وأمريكا بإنهاء مهمتها بناء على القرار الذي اتخذ العام الماضي بالتجديد لها لمرة واحدة تنتهي مع نهاية العام 2026.

إذاً، لبنان أمام قرار مصيري، وجهد السلطة ينصب على التمديد لهذه القوات وهو متمسك بهذا المطلب. والسعي العلني الذي يعلنه أركان السلطة هو العمل لتمديد مهمتها حتى إيجاد البديل. هذا البديل لم تتضح معالمه حتى الساعة، وقيل إن هذا الموضوع كان أحد البنود التي ناقشها رئيس الجمهورية في لقائه مع الرئيس الفرنسي في مؤتمر دعم الجيش الذي عقد في باريس الأسبوع المقبل.

ما يلفت الانتباه هو أن فرنسا دائماً ما تتصدى لعقد المؤتمرات لمساعدة لبنان، لكن منذ سنوات لم ينتج عنها أي فعل تنفيذي سواء على الصعيد الاقتصادي أم العسكري. ربما لأن أركان السلطة لم يفهموا بعد أن القرارات الكبرى لم يعد لفرنسا أي تأثير بها، وأن أمريكا لا تقيم وزناً لأي سعي سياسي فرنسي. وبالتالي هذه الاجتماعات لا تخرج عن كونها لقاءات تشريفية لتقطيع الوقت وإيهام الناس أن هناك حراكاً وسعياً لحل المشاكل. وكما يبحث لبنان عن حلول لمشاكله فإن فرنسا تبحث عن ملك وسلطة وهيبة ضائعة.

الأمر الذي انطلى على لبنان، بل ودافع عنه، هو نقل مفاوضات الإطار من واشنطن إلى روما، وكأن هناك إشارة أمريكية إلى إعطاء إيطاليا دوراً مستقبلياً في لبنان. وعبّر عنه بالمبادرة الإيطالية لترؤس قوات أوروبية تكون بديلاً عن قوات اليونيفل. ولبنان الذي تخلى عن نقاط قوته السياسية قبل العسكرية يتمسك بقشة روما ولو كانت على حساب سيادته، خصوصاً العسكرية منها، بجعل جيشه تحت وصاية هذه القوات وليس العكس. لكن مواقف المقاومة برفض أي قوات أجنبية تحت أي مسمى غير اليونيفل أبطأ هذا المسعى، إن لم نقل إنه ألغاه.

الأخطر من كل ذلك أن لبنان في توقيعه اتفاق الإطار مع العدو الصهيوني، قد أعطاه الشرعية للبقاء في قسم كبير من الجنوب المحتل، كما في القصف والقتل كما يحدث هذه الأيام. وهو دائماً يتذرع بأن ما يقوم به هو جزء من اتفاق الإطار مع لبنان. فكيف سيتعامل لبنان مع هذا الوضع المستجد، خصوصاً بعد إطلاق قائد القوات الدولية “اليونيفل” في لبنان الجنرال ديوداتو أبانيارا تحذيراً شديد اللهجة أفاد فيه بأن أكثر من نصف مواقع قوات اليونيفل في جنوب لبنان باتت تقع حالياً داخل مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، وهذا يعني صعوبة تسليم هذه المواقع للجيش اللبناني، مؤكداً أن قوات اليونيفل ستنهي عملياتها رسمياً أواخر العام ما لم يصدر تمديد أممي جديد.

فما هو موقف السلطة بعد هذا التصريح؟ وهل سيتم تسلم نقاط قوات اليونيفل التي تقع خارج الاحتلال فقط، وألا يكون ذلك تسليماً بهذا الاحتلال وانصياعاً لرغباته؟ وبعد هذا كله ما هو موقف السلطة من شعاراتها بالسيادة والانتشار على كامل الأراضي اللبنانية؟

يملك المفاوض الصهيوني الكثير من أوراق القوة مدعوماً من الحليف الأمريكي، فهو حقق سابقاً قرار إنهاء مهمة قوات اليونيفل، وهو يشترط أسماء الدول التي قد تشارك في القوات المتعددة الجنسيات إذا تم التوافق عليها. وهو يحتل جزءاً كبيراً من ساحة عملها، ويكرر قادته بعدم الانسحاب تحت أي ظرف أو إطار أو اتفاق. ويشترط أيضاً أن تكون هذه القوات مقاتلة بمعنى لها صلاحيات المداهمة والاشتباك من دون الرجوع إلى السلطة اللبنانية، ويشترط تنسيقاً أمنياً وعسكرياً كاملاً معها، كما يشترط تنسيقاً كاملاً مباشراً مع الجيش اللبناني.

في المقابل، ماذا يحمل الوفد اللبناني إلى نيويورك، أو إلى روما؟

 لا شيء، سوى عبارات مكررة ممجوجة سيلقيها رئيس الوزراء على مسمع الجمعية العامة عن السيادة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، ومزيد من التنازلات في الاجتماعات المغلقة، واستجداء المساعدة ليس لطرد الاحتلال الصهيوني، بقدر ما هي لضرب آخر أوراق قوة لبنان وهي مقاومته. والمؤسف أن التصويب ليس فقط على الجانب العسكري منها، بل على كل تفاصيل الحياة الاجتماعية لبيئتها في كل لبنان.

ضاق الوقت على الجميع، فلا إمكانية لتشكيل قوة عسكرية أوروبية أو متعددة الجنسيات، وقد بانت كل أكاذيب أمريكا والدول الأوروبية في دعم الجيش اللبناني ليكون قادراً على حماية حدوده وسيادته. وإجراءات انسحاب قوات اليونيفل تسير وفق الخطة الموضوعة. فهل تسير الأمور وفق المخطط الصهيوني بإبقاء احتلاله وتوسيعه كما يحصل ضمن اتفاق الإطار، وإنهاء أي دور للأمم المتحدة في لبنان كما يحصل في كثير من دول العالم؟ أم أننا سنشهد على جلسة لمجلس الأمن يمدد فيها لقوات اليونيفل تحت البند السابع ويحقق الحلم الأمريكي والصهيوني، على أن يفتح الباب على مشاركة دول أخرى ترضى أن تنفذ سياسات العدو الصهيوني وأمريكا في جنوب لبنان؟

إذا حصل ذلك، وهو ما أشارت إليه بعض وسائل الإعلام التي تواكب رئيس الوزراء في نيويورك، من أن سلام سيبحث في نيويورك انتهاء مهام اليونيفل، ومن ضمن الاقتراحات الابقاء عليها والذهاب إلى تعديل في مهامها، فيبقى السؤال عن السيادة على كل الأراضي اللبنانية التي تدعيها السلطة، وما مصير اتفاق الإطار الذي يعلن قادة العدو عدم الالتزام به كل يوم، ويكررون معزوفة البقاء في الجنوب اللبناني والسوري وغزة، أم سيكون للتطورات العسكرية القادمة على المنطقة، ولإيران والمقاومة رأي آخر؟

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى