
كتب وائل فايز أبو الحسن* – الحوارنيوز
ما يجري في أمريكا اللاتينية اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تناوب انتخابي بين اليمين واليسار. المسألة أعمق، وواشنطن تبقى العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل موازين القوى في القارة.
فالولايات المتحدة لم تتخل يوماً عن اعتبار أمريكا اللاتينية مجالاً حيوياً لنفوذها. وما يتغير هو الأدوات والوجوه، لا جوهر المصالح. وما نشهده اليوم يبدو محاولة لإعادة بناء نفوذ سياسي واقتصادي وأمني، يكون فيه اليمين، وفي بعض الحالات أقصى اليمين، أكثر قرباً من توجهات واشنطن.
وما حدث في فنزويلا في كانون الثاني ٢٠٢٦ يمثل نموذجاً بالغ الدلالة. فإزاحة مادورو لم تؤد إلى انهيار الدولة أو تفكيك النظام، بل بقيت مؤسسات الدولة قائمة، وانتقلت السلطة إلى ديلسي رودريغيز. وهذا يكشف أن الهدف قد لا يكون دائماً إسقاط نظام واستبداله، بل إعادة ضبطه وتحويل اتجاهاته وتحالفاته بما يتوافق مع المصالح الأمريكية.
ومن هنا تأتي أهمية كولومبيا. فالرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييّا، المدعوم من ترامب، يتولى السلطة بأجندة أمنية وانتقامية شديدة الصدام في الداخل، ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية. وستعمل واشنطن، على الأرجح، على تأمين حليفها الجديد، وقد يتقاطع ذلك مع دعم إسرائيلي أيضاً، لكن ذلك لا يعني أن بقاءه مضمون.
ففي بلد ذي تاريخ طويل من العنف السياسي، ومع أجندة داخلية شديدة الاستقطاب، لا يمكن استبعاد محاولات إبعاده عن المشهد، بل وحتى احتمال استهدافه أو اغتياله، من دون أن يعني ذلك وجود مخطط مؤكد أو أن السيناريو حتمي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن تثبيت هذا المسار إذا تغيرت موازين القوى داخل الولايات المتحدة نفسها؟
فالتحالفات السياسية ليست أبدية، وما تبنيه إدارة أمريكية قد تأتي إدارة أخرى لتعيد صياغته.
وقد تكون أمريكا اللاتينية اليوم أمام فصل جديد من صراع طويل على النفوذ، لكن القارة في النهاية ليست ورقة أمريكية خالصة، وشعوبها قادرة على قلب المعادلات عندما تتغير الظروف.
السياسة لا تعرف الولاء الدائم، والتحالفات لا تُبنى على الصداقة وحدها، بل على المصالح وموازين القوة.
وفي النهاية، تبقى أمريكا اللاتينية أكثر من مجرد مساحة تتحرك فيها واشنطن. فالمجتمعات اللاتينية نفسها تملك إرادتها، ومؤسساتها، وذاكرتها السياسية.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون بداية عصر أمريكي جديد في أمريكا اللاتينية، بقدر ما قد يكون فصلاً جديداً من صراع طويل على سؤال أعمق بكثير:
من يملك القرار في أمريكا اللاتينية؟ ومن يملك القدرة على إعادة رسمه؟
* محام مغترب مقيم في المكسيك



