رأي

الشعائر الحسينية: منهج التطبيق (الشيخ محمد شقير)

 

 

بقلم الشيخ .أ.د. محمد شقير – الحوارنيوز

                                               

  يتضمن البحث ثلاثة أمور: شروط التطبيق، وكيفيته ومرجعيته المعنية بصحته وجدوائيته.

 

  • شروط التطبيق الشعائري:

إن عملية التطبيق الشعائري ليست تلك العملية التي تتميّز ببساطتها، وإنما هي عملية تحتاج إلى مراعاة شروطها والالتزام بها، حتى يمكن لها أن تنتج تلك المصاديق الشعائرية، التي تؤدّي وظيفتها، وتحقّق مقاصدها، دون ترتّب تلك النتائج السلبيّة عليها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري هي ذات بعدين: بعد مفهومي، وبعد واقعي اجتماعي؛ فهذا يعني ضرورة وجود شروط منهجية لتلك العملية، تتماهى مع هذين البعدين.

أما أهم تلك الشروط المنهجية، التي ينبغي مراعاتها في عملية الاستحداث تلك، فهي:

  • فهم الشعائر وفلسفتها بشكل منهجي، ومعرفة قيمها ورسالتها، والدراية بتلك الأهداف التي تسعى إلى إنجازها على المستوى التربوي، والثقافي، والمعنوي، والديني، والإعلامي، والاجتماعي، وعلى مستوى صناعة الوعي وتنمية المجتمعات، وسوى ذلك.
  • فهم الواقع الاجتماعي الذي يراد استحداث المصداق الشعائري وإقامته فيه، ومعرفة عاداته، وأعرافه، وثقافته المجتمعية، وجميع العناصر الأخرى الدخيلة في ترتّب هذا النوع أو غيره من النتائج، على هذه الممارسة الشعائرية، أو تلك.
  • القدرة على الوصل الصحيح والهادف ما بين فهم الشعائر وأهدافها وقيمها من جهة، وما بين الواقع الاجتماعي وعاداته وأعرافه وثقافته من جهة أخرى، لأنه لا تكفي المعرفة بالمفهوم والواقع، من دون أن تكون هناك إمكانيات منهجية وعلمية وتخصصية (مجمل التخصصات والعلوم ذات الصلة ) كافية، تسهم في عملية الوصل المنهجي الصحيح ما بين المفهوم والواقع.

وهنا لا بدّ من القول، إن تحصيل هذه الشروط يعتبر أمراً ضرورياً لتحقيق أهداف الشعائر، وصحة إقامتها، واستحداثها. وإن أي إخلال بأيٍّ من هذه الشروط، أو عدم تحصيلها بشكل كافٍ؛ سوف يؤدّي إلى وجود خللٍ ما، أو نقصٍ ما، في استحداث المصاديق الشعائرية الصحيحة، أو صحة إقامتها، أو صوابية ممارستها، مما قد يؤدّي إلى ترتّب بعض النتائج، التي لا تنسجم مع أهداف الشعائر ومقاصدها، ومجمل قيمها.

  • كيفية تطبيق الشعائر واستحداث مصاديقها:

وصلنا إلى هذه النتيجة أن منظومة الشعائر الحسينية تمتلك بنيتها التي تقوم على ثنائية: مفهوم/ مصداق. ( أو ركني: الكبرى والصغرى ).

المفهوم تمّ بيانه، وبيان مجمل ما يتصل به في النصوص الدينية ذات الصلة. كما بيّنت أيضاً في تلك النصوص العديد من المصاديق، وإن كان هناك إمكانية لاستحداث مصاديق شعائرية جديدة، ينطبق عليها ذلك المفهوم، وتصدق عليها تلك الكبرى.

وبناءً عليه، لا بد من الإضافة هنا – في مقام الجواب على سؤال كيفية التطبيق الشعائري – بأن عملية استحداث مصاديق جديدة ترتبط ببعدين اثنين: البعد المفهومي (مفهوم الشعائر)، والبعد الاجتماعي ( ظروف المجتمع وجميع اعتباراته)؛ وهذا يعني  أن عملية التطبيق يجب أن تتم على النحو التالي: يُنظر أولاً في مفهوم الشعائر لمعرفة رسالتها وأهدافها، وقيمها، وجميع أبعادها. ثم يُنظر في ذلك الواقع الاجتماعي الذي يُراد إقامة الشعائر فيه، ويُدرس في عاداته ،وأعرافه، وتقاليده، وثقافته، وجميع اعتباراته، وذلك بهدف معرفة أية ممارسة شعائرية تحقق أهداف الشعائر فيه، وجميع غاياتها الدينية والتربوية لديه، من دون أن يترتب عليها أيٌ من النتائج السلبية، التي تتنافى مع تلك الأهداف والغايات، من قبيل توهين الاسلام ومدرسة أهل البيت(ع)، أو الإساءة الى مكانتهما، أوالإضرار بصورتهما.

فإن كانت النتيجة أن استحداث هذه الممارسة الشعائرية، أو إقامتها في هذا الواقع بعينه، تترتب عليه مجمل أهداف الشعائر وقيمها، من دون أن تترتب عليه تلك النتائج السلبية، التي تفوق نتائجها الايجابية؛ فهذا يعني صوابية هذا الاستحداث، وصحة هذا الفعل، بل ومطلوبية إقامة هذه الشعائر المستحدثة في ذلك الواقع الاجتماعي.

أما إن كانت النتيجة خلاف ذلك، بأن كانت هذه الممارسة الشعائرية، أواستحداثها في هذا الواقع، لا تترتّب عليه تلك الأهداف والنتائج المفترضة، وإنما يترتّب عليه ما هو خلافها أو يفوقها؛ فهنا ينبغي الإعراض عن تلك الممارسة الشعائرية في هذا الواقع، وعدم إقامتها فيه، والبحث عن تلك الممارسات الشعائرية البديلة،  التي تحقق أهدافها وغاياتها فيه، وتنسجم مع ظروفه، وتتلاءم مع اعتباراته.

 

  • من يقوم بعملية التطبيق الشعائري؟

ليس المراد بهذا السؤال بعده الشخصي ( أي ليس السؤال عن أفراد بعينهم )، وإنما المراد به بعده المعرفي. أي إن السؤال هو  في الخصائص والمواصفات المعرفية والمنهجية التي يجب أن تتوفر فيمن يقوم بعملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق جديدة للشعائر الحسينية، وفيمن يشخّص صحة أو عدم صحة ممارسة هذه الشعيرة أو تلك، في هذه البيئة المجتمعية والثقافية، أو في غيرها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق مختلفة للشعائر، وتشخيص ممارستها، تقوم على بعدين: نظري- مفهومي، وواقعي- اجتماعي؛ فمعنى ذلك أنّ من ينبغي له أن يتولى تلك العملية يجب أن تتوفر فيه معرفياً تلك المعرفة، التي تتصل من جهة بالجانب الديني (منظومة الشعائر ولوازمها المعرفية)، والتي ترتبط من جهة أخرى بالجانب الاجتماعي ( مجمل العلوم ذات الصلة بهذا الجانب).

وبتعبير آخر يمكن القول، إن الذي يجب أن يتولى عملية استحداث مصاديق جديدة، أو دراسة صحة هذه الممارسة الشعائرية أو تلك؛ هو العقل، الذي يمتلك في صناعته المنهجية بعدين: بعدٌ ديني، يرتبط برسالة الدين، ووظيفة الشعائر وأهدافها؛ وبعدٌ معرفي علمي، يتصل بمجمل تلك العلوم والخبرات البشرية في مختلف المجالات الثقافية، والتربوية، والاعلامية، وفي حقول علوم النفس والاجتماع ذات العلاقة بهذا الجانب، فضلاً عن معرفته بمجمل تلك الشروط المنهجية الواجب معرفتها، ومراعاتها في عملية التطبيق، أو التشخيص تلك.

ومن هنا يمكن القول، إن هذه العملية ليست عملية دينية بحتة بالمعنى الخاص للدين، وليست صناعة فتوائية منفصلة عن الواقع الاجتماعي وبيئته. ولذلك لا يصحّ أن توكل هذه العملية إلى أيّة جهة دينية، إذا لم تكن على دراية تامة بمجمل العلوم والخبرات ذات الصلة، وإذا لم تكن على معرفة كافية ووافية بجميع الاعتبارات، والظروف الاجتماعية، والعادات، والتقاليد، والأعراف، التي تملكها تلك البيئة المجتمعية المراد ممارسة الشعائر فيها، واستحداثها لديها.

وفي المقابل لا يصح أن توكل هذه العملية إلى أية جهة، مهما كانت متقدمة في مجمل علوم الاجتماع، أو النفس، أو التربية، أو الاعلام، أو الفن.. أو كانت على دراية تامة بمجمل الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية لهذه البيئة المجتمعية أو تلك؛ ما لم تكن على معرفة كاملة بتلك المنظومة الشعائرية، ولوازمها المعرفية، وعلى وعي هادف لرسالة الشعائر، وقيمها، وأهدافها، وجميع مقاصدها.

ومن هنا إذا ما أردنا أن نجيب على هذا السؤال، أن هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية أو تلك، في هذه الظروف أو غيرها، هل تنسجم مع رسالة الشعائر، وأهدافها، وقيمها، أم لا؟؛ لن يكون من الصحيح عندها أن يُبادر إلى تقديم الجواب، ما لم يتم توظيف جميع العلوم والخبرات والتخصصات ذات الصلة، وما لم تتم الاستفادة من مجمل أهل الاختصاص والمعرفة بجميع تلك العلوم ذات العلاقة بهذا البحث. وقد يحتاج الأمر إلى القيام بدراسات علمية هادفة وشاملة، للوصول إلى اعتماد هذا الجواب أو ذاك.

أما أن يُصار إلى الشروع في اعتماد هذا الجواب أو ذاك، من دون إيفاء هذا السؤال حقّه في البحث والدراسة والعمل – وخصوصاً فيما يرتبط بالبعد الاجتماعي، والتشخيص المجتمعي والعلمي للمصاديق الشعائرية – ؛ فهذا لا يعبّر عن مستوى الاحترام الكافي، أو الاهتمام المطلوب بتلك الشعائر ووظيفتها، ذلك الاهتمام الذي يجب أن يكون في تجلياته بمستوى تلك الشعائر، وسموّ رسالتها، وأهمية أهدافها.

أما أن يكون الغالب هو الحماسة المفرطة، بعيداً عن التزام ضوابط وشروط الصناعة المنهجية والعلمية للشعائر وممارستها؛ أو في المقابل، أن يغلب علينا الخوف ممن يتعمد دائماً الاساءة  إلى الشعائر وأهلها، بعيداً عن الاعتزاز بهذه الشعائر وممارستها؟؛ فكلا الأمرين لا يساعد على الوصول إلى صناعة شعائرية تنسجم مع أهداف الشعائر، ومقاصدها.

 وبناءً على ما تقدّم، ليس من الصحيح أن تكون هذه الصناعة الشعائرية صناعة  شعبوية، وإنما يجب أن تكون صناعة توّفى حقّها في البحث، والدراسة، والعمل، من قبل أهل العلم والاختصاصات اللازمة، بعيداً عن أيّة شعبوية قد تفتقد إلى الوعي اللازم بالشعائر ورسالتها، أو المعرفة الكافية بالبيئة المجتمعية والثقافية، وظروفها، وجميع حيثياتها.

ومن هنا قد يكون من الضروري أن يكون هناك عمل مؤسّسي شامل، يُعنى بتلك الشعائر، ويتجاوز أي انشغال فردي أو فئوي عليها، ويشترك فيه جميع أهل العلم والمعرفة والاختصاص، ممن له علاقة بذلك المجال من علماء الدين، والاجتماع، والتربية، والنفس، والاعلام، والفن.. من أجل بحث ودراسة مجمل المصاديق الشعائرية، ونماذج الشعائر الحسينية، وذلك في الموارد التالية:

  • مدى صحة استحداث هذه المصاديق الشعائرية الجديدة، أو عدم ذلك.
  • تجاوز مصاديق استحدثت فيما سبق.
  • صحة اعتماد هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية والثقافية بعينها، أو عدم صحة ذلك.

بل قد يكون من أهم الوظائف الذي يُعنى به ذلك العمل المؤسسي، الذي يحتوي على إمكانياته العلمية والمعرفية الكافية، ما يلي:

  • العمل على انتاج مصاديق شعائرية جديدة، قد يكون لها تأثير أكبر، ودور أهم من مصاديق أخرى، في تحقيق أهداف الشعائر، وإنجاح رسالتها.
  • دراسة مجمل تلك الممارسات الشعائرية مورد الجدل بشكل علمي ومنهجي، بعيداً عن أي انفعال، أو شعبوية، أو حماسة أو.. من أجل الوصول إلى خلاصات، ونتائج، وتوصيات، تخدم رسالة الشعائر وقيمها، وأهدافها.

 

                         

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى