معركة الصورة ودورها في تثبيت الإنتصار العسكري (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
من أهم مصادر المعرفة الإنسانية الحواس الخمس، ويرى البعض أنها المصادر الوحيدة التي تُعطي معرفة لا لبس فيها لأنها عن حسّ لا عن حدس. ومع أننا نرى أن مصادر المعرفة متعددة، إلا أننا نُقرّ بأن أهم تلك المصادر هي معرفة الحواس. وعندما نحاول ترتيبها، فسيكون النظر أرفعها مرتبة، وأكثرها رسوخًا في ذهن الإنسان. ونؤيد ذلك بقول الإمام علي (ع): “الحق ما رأيت لا ما سمعت”.
لذا لا يُجادل أحد في أهمية الصور التي تُعرض أمام أعيننا في يومنا هذا بشكل عام، ويتأكد ذلك في الصور أثناء الحروب، فهي تُشكّل دليلًا دامغًا على صحة ما يعلنه قادة الجيوش. ومع التطور التكنولوجي أصبح استخدام الصورة جزءًا من الحرب النفسية والعسكرية، فيما يعتبرها البعض أهم عنصر من عناصر الحرب. فكم من حرب انتصر فيها طرف لإغراقه وعي المشاهد بالكثير من الصور التي تؤكد سرديته لما يحصل في أرض المعركة، وبالتالي يكسب الحرب النفسية ضد عدوه ليهزمه نفسيًا قبل أن يهزمه عسكريًا.
قديمًا كانت الصور الفوتوغرافية التي تعرضها الصحافة تُحدث ضجة كبيرة في أوساط الناس، وكان يُتعامل معها كحقيقة واقعة وأكيدة، سواء كانت تُظهر منطقة ما لتثبت سيطرة جهة عليها، أو صورة لقتلى تُثبت انتصار هذه الجهة أو تلك. ومع تطور القنوات التلفزيونية أصبحت صور الفيديو أكثر شيوعًا وأهم إثباتًا. وما زلنا نذكر صور اجتياح دبابات العدو الصهيوني للبنان عام ١٩٨٢ وما فيها من إظهار للقوة والتحكم والسيطرة. وبالرغم من أن المقاومة أنزلت الخسائر الجسيمة بقوات العدو، إلا أن إثبات ذلك كان صعبًا طالما لم توجد صور تدعم ذلك.
وما إن بدأ التقاط الصور الفوتوغرافية وصور الفيديو حتى بدأت تظهر أوجاع وآلام العدو. والجميع يتذكر صور الشاب نزيه القبرصلي في صيدا يقف بوجه الدبابة الصهيونية ويرميها بالقنابل، صورة رسّخت فكرة المقاومة وصمودها وشموخها. كما نتذكر صورة وزير حرب العدو آرييل شارون فوق مقر الحاكم العسكري الصهيوني المدمّر في صور، ثم تتالت صور الفيديو عن العبوات التي كانت تفجّرها المقاومة بقوات العدو، فبدأت صورة الهزيمة تتشكّل حول الاحتلال وصولًا إلى الهروب الكبير في العام ٢٠٠٠، الذي لخّصه الشهيد السيد حسن نصرالله يومها بالقول: “لولا المنار لضاع الانتصار”، بما يعنيه من أهمية الصورة التي كانت تبثها قناة المنار والقنوات الوطنية في ذلك الوقت.
نعود إلى العدوان الأخير على إيران، الذي بدأ بهجوم ضخم للطائرات الأمريكية والصهيونية على عدة مدن إيرانية، وعلى العاصمة طهران بشكل خاص. واستطاع خلال الأيام الأولى إيهام الجمهور بأنه قد حسم المعركة، خصوصًا تلك الصور من الطائرات التي تحدد الهدف وتقصفه مباشرة. لكن ما كان ينقصها هو الصور الأرضية لحجم الانفجار والدمار الذي أحدثه القصف، وهذا ما كان يتولاه بعض الناس من السذج عن قصد أو غير قصد. هذه الصور كانت تُثبت أن الطائرات أصابت أهدافها، فاستغلها العدو الأمريكي والصهيوني لتأكيد بياناته العسكرية، كذلك نشره صور طائراته وهي تُقلع من حاملاته، أو تتزود بالوقود في الجو، أو صواريخ كروز وتوماهوك وهي تنطلق من سفنه الحربية.
في المقابل كانت مشاهد الصواريخ الإيرانية التي تسقط على المدن الصهيونية، خصوصًا الليلية منها، عاملًا مهمًا لموازنة الحرب الإعلامية ضد أمريكا والعدو الصهيوني، وهذه الصواريخ كان من الممكن تصويرها من أماكن بعيدة داخل فلسطين المحتلة. وأعلنت الشرطة الصهيونية منع التصوير في أماكن سقوط الصواريخ تحت طائلة العقوبات، ما حرم القوات الإيرانية الحجة الثابتة لإصابة أهدافها في كيان العدو. لكن صور إطلاق تلك الصواريخ كانت مهمة لإثبات أن إيران ردّت على الاعتداءات الصهيونية والأمريكية.
وأظهرت صور احتراق القواعد العسكرية الأمريكية والمنشآت النفطية في الدول الخليجية حجم وعنف القصف الإيراني لها، كما أن نشر صور الاستيلاء على بعض السفن التجارية، وصور النار المشتعلة في بعضها الآخر، كان له وقع كبير على الجمهور العالمي الذي تأكد أن إيران تردّ الصاع صاعين على كل المناطق التي انطلقت منها صواريخ العدوان.
أما في العدوان على لبنان، فقد كان جيش العدو يبثّ صور القصف بعد فترة قصيرة من تنفيذه، وكان يعتمد أيضًا على ما يصوّره السذج من الناس للتثبت من إصابة الأهداف بشكل أكيد. وبقي العدو فترة لا يعترف بما تقوم به المقاومة من تصدٍ للعدوان عبر القصف والصواريخ والطائرات المسيّرة، حتى أظهرت المقاومة صور الطائرات المسيّرة عبر الفايبر، فكانت هذه الصور كالصاعقة التي نزلت على جيش العدو وقياداته، بل كانت أكثر إيلامًا من القصف نفسه، لأنها كذّبت كل ادعاءاته بعدم القصف أو بعدم إصابة الأهداف، فأظهرت صور المقاومة الإصابة الدقيقة لبطاريات الصواريخ المضادة للصواريخ، وإصابة الدبابات والجرافات والآليات العسكرية، ما أدى إلى اهتزاز صورة جيش العدو أمام المستوطنين، وأمام عناصر الجيش نفسه، وأمام الصحافة والقنوات التلفزيونية التي شبّهت جنود العدو كأنهم بطّ في حقل رماية. هنا ربحت المقاومة معركة الصورة، واضطر العدو وقادته للاعتراف بأنه لا حل لهذه الطائرات المسيّرة، وأنها ستُبقي جنود جيشه تحت مرمى صواريخها، فبدأت الأصوات ترتفع في كيان العدو ضد هذه الحرب والخسائر الناجمة عنها.
لكن لا بد من تسجيل أن العدو الصهيوني في حربه الإعلامية قد كسب بعض النقاط، وهي ليست ناتجة عن سيطرته الإعلامية بقدر ما هي نتيجة عدم انتباه من إعلام محور المقاومة، الذي نجح في بث صور انطلاق الصواريخ التقليدية والموجّهة والطائرات المسيّرة وتصوير إصابتها للأهداف، إلا أنه أخطأ في إعادة بث ما يسمح العدو بعرضه على قنواته لصور جيشه وطائراته. فالصور التي يسمح الجيش بنشرها بالتأكيد تخدم معركته الإعلامية، سواء عند نشر حركة دباباته أو انتشار جنوده ودخولهم إلى البيوت والمنازل في جنوب لبنان، أو صور الطائرات التي تُصيب أهدافها. كل ذلك جزء من حربه الإعلامية والنفسية. وللأسف كانت بعض قنوات المحور تبث نفس صور العدو بما يخدم الصورة التي يُريد نشرها. وهذا ما يجب الانتباه له لاحقًا، كما يجب العمل للحصول على صور من الداخل الصهيوني للمواقع المستهدفة، وهو ما يُعزز سردية ضرب العدو. وهذا الأمر مطلوب من الإعلام الإيراني أكثر منه في لبنان، حيث صور الطائرات المسيّرة التي تضرب أهدافها حفرت عميقًا في وعي جيش العدو وقادته.
إن استخدام الصورة في الحرب واضح الأهمية، لكن استخدامها في السلم والتفاوض أقوى وقعًا. وهذا ما فعله الوفد الإيراني خلال مفاوضات جنيف الأخيرة، إذ وقف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ينتظر دخول رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف لحوالي نصف ساعة، للمصافحة أو لالتقاط صورة جماعية للوفود، لكن الوفد الإيراني لم يُعطه فضيلة تلك الصورة، التي لو حصلت لأظهرت قوته وضعف الوفد الإيراني، الذي سيناقض كل تاريخه في العداء لأمريكا، وسيتناسى كل جرائمها السابقة والحالية، وسيترسخ في ذهن الجمهور العالمي أن إيران رضخت لأمريكا.
بالرغم من أن الإعلام العالمي تحت سيطرة أمريكا والعدو الصهيوني، إلا أن الإعلام العسكري الإيراني والإعلام الحربي للمقاومة استطاعا في هذه الحرب الوقوف بوجه الصورة الإعلامية للعدو الأمريكي والصهيوني، بل وتفوّقا عليه في بعض الأحيان. ولا يُعفيهما ذلك من معالجة بعض الثغرات التي ذكرناها، كاستخدام الصور التي يبثها العدو الصهيوني والأمريكي أو الصور التي تخرج من الأماكن المستهدفة بالعدوان، وهو أمر بحاجة إلى توجيه وتربية في أيام السلم قبل أيام الحرب.


