سيزهر الوطن …… لنعود اليه.(اسامة مشيمش

بقلم د.أسامة توفيق مشيمش- الحوارنيوز
في كل مرة تشتد فيها العواصف على هذا الوطن، ينهض في الذاكرة سؤال بسيط لكنه عميق: هل سيعود الربيع إلى ربوع قرانا كما كان؟ هل ستنبت شقائق النعمان الحمراء على التلال، وتزهر القناديل البرية في الهضاب، وتتفجر الينابيع في الوديان كما كانت تفعل منذ أجيال؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تأملات شاعرية في الطبيعة، بل هي انعكاس لحالة إنسانية ووطنية يعيشها شعب خبر الألم كما خبر الصبر، وعرف الفقد كما عرف معنى التمسك بالأرض.
الربيع في هذا الوطن ليس مجرد فصل من فصول السنة، بل هو وعد بالحياة يتجدد رغم كل ما يمر به الناس من محن. فعندما تزهر شقائق النعمان بلونها الأحمر الداكن، كأنها تروي حكاية الأرض التي امتزج ترابها بتضحيات أبنائها. وحين تنبض الينابيع بالماء من جديد، فإنها تعلن أن الحياة قادرة دائماً على أن تجد طريقها حتى بعد أقسى المواسم.
لكن الربيع هنا لا يأتي من فراغ. فخلف هذا المشهد الطبيعي البديع تقف حكايات أمهات ودعن أبناءهن وهم يسيرون في دروب الدفاع عن الوطن. أمهات أنجبن أبناءهن ليكبروا رجالاً يحملون في قلوبهم حب الأرض وكرامة الإنسان، وليكونوا درعاً يحمي هذا الوطن من كل عدوان. إنهن أمهات يعرفن أن طريق الحرية لم يكن يوماً مفروشاً بالورد، بل كان دائماً طريقاً شاقاً تتناثر على جوانبه التضحيات.
في مثل هذه اللحظات، يدرك الإنسان أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو ذاكرة مشتركة وهوية متجذرة في الوجدان. هو الحقول التي لعب فيها الأطفال، والوديان التي شهدت أولى خطواتهم، والبيوت التي حفظت ضحكاتهم ودموعهم. وهو أيضاً القصص التي يرويها الآباء للأبناء عن معنى الصمود حين تضيق السبل.
ولعل أكثر ما يميز هذا الوطن أن بوابته الحقيقية كانت دائماً بوابة التضحية. فمن الجنوب الذي حمل عبء المواجهة، إلى البقاع الذي احتضن أبناءه الصامدين، وصولاً إلى كل أرض عربية تشارك هذا الشعب حلم الحرية والكرامة. هناك خيط معنوي يربط بين هذه الجغرافيا المتباعدة، خيط قوامه الإيمان بأن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع بالصبر والثبات.
ومن الضفة إلى غزة، ومن الجنوب إلى كل بقعة تنبض بروح المقاومة، تتشكل لوحة واحدة عنوانها التمسك بالحق. لوحة تختلط فيها مشاعر الحزن بالفخر، والدمع بالأمل. ففي كل بيت حكاية، وفي كل قرية ذكرى، وفي كل أم قلب ينبض بالدعاء لأبنائها الذين حملوا راية الدفاع عن الأرض.
ومع ذلك، يبقى الأمل هو العنوان الأكبر. فالأوطان التي تعلّمت كيف تصمد في وجه العواصف تعرف أيضاً كيف تستقبل الربيع. ستنبت شقائق النعمان من جديد، وستزهر القناديل البرية في الهضاب، وستتفجر الينابيع في الوديان، وسيعود الأطفال ليلعبوا في البراري تحت شمس دافئة لا تعكر صفوها أصوات الحرب.
عندها فقط سيدرك الجميع أن دورة الحياة أقوى من كل محاولات الكسر، وأن الوطن الذي يسكن قلوب أبنائه لا يمكن أن يغيب عنه الربيع طويلاً. فمهما اشتدت الليالي، يبقى الفجر وعداً لا بد أن يتحقق، ويبقى الربيع موعداً حتمياً مع الحياة.؟رز



