إقتصاد

قطاع الكهرباء الثقب الأسود في مالية الدولة : كيف نوفر 200 مليون دولار على الخزينة ؟( عماد عكوش)

 

كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز

 

شكّل قطاع الكهرباء على مدى العقود الثلاثة الماضية الثقب الأسود الأكبر في المالية العامة اللبنانية ، إذ تسبّب وحده بنحو نصف الدَّين العام المتراكم . واليوم تكشف موازنة 2026 عن استمرار هذا النزيف تحت مسميات مستحدثة تفرض ضغطاً خانقاً على سيولة الخزينة منها تسديد فواتير مؤسسة كهرباء لبنان بالتعرفة المعدلة والمرتفعة من جهة ، وتحمّل كلفة الديزل الباهظة لتشغيل المولدات الخاصة في المرافق الرسمية من جهة ثانية.

وسط هذا الانسداد المالي ، يبرز امكانية التحوّل نحو استثمار المساحات الشاسعة للمؤسسات العامة في إنتاج الطاقة الشمسية كخيار سيادي اقتصادي لا مفرّ منه ، يمكن ان ينقل الدولة من خانة المستهلك العاجز عن السداد إلى مستثمر رشيد يعيد ضبط الإنفاق التشغيلي ويحرّك عجلة النمو الاقتصادي المفقود.

تتحمّل المالية العامة حالياً عبئاً مالياً ثلاثي الأبعاد لتأمين الحد الأدنى من متطلبات تشغيل المرافق العامة:

  1. الازدواجية في فاتورة الاستهلاك:

o فواتير مؤسسة كهرباء لبنان : مع إعادة تسعير الكيلوواط الساعي بالدولار الفريش واحتسابه وفق سعر الصرف الفعلي ، تضاعفت تكلفة الفاتورة الرسمية على الوزارات والمصالح المستقلة.

o موازنات المحروقات للمولدات : تؤمّن ساعات التغذية الشحيحة من الشبكة العامة نحو 4 إلى 8 ساعات يومياً في أحسن الأحوال ، ما يجبر المرافق الحيوية ومنها المستشفيات الحكومية ، قصور العدل ، قوى الأمن ، والمضخات المائية ، على تشغيل المولدات الخاصة لتغطية 14 إلى 18 ساعة يومياً ، مستنزفةً اعتمادات المحروقات المخصصة في الموازنة.

o تبلغ مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان (EDL) المتراكمة على إدارات ومؤسسات القطاع العام ما بين 400 إلى 550 مليون دولار أميركي (تراكمت كديون وقيود مقاصة وسندات غير محصلة عبر السنوات) ، في حين يُقدّر المتوسط السنوي لإجمالي كلفة الطاقة على القطاع العام حالياً بين 220 و280 مليون دولار سنوياً موزعة بين فواتير الكهرباء النظامية واستهلاك المولدات الخاصة.

  1. عقدة المستحقات المتراكمة على القطاع العام:

o يرزح القطاع العام تحت متأخرات مالية لصالح مؤسسة كهرباء لبنان تتراوح تقديراتها بين 300 و500 مليون دولار تراكمت عبر السنوات بصيغة قيود ومقاصات محاسبية معلقة ، ما يحرم المؤسسة من السيولة النقدية المطلوبة لشراء الفيول والقيام بأعمال الصيانة الدورية.

تتميز طبيعة عمل الإدارات والمؤسسات العامة بتطابق نمط استهلاكها مع منحنى الإنتاج الشمسي الطبيعي لأن العمل الإداري اليومي هو نهاري بين الساعة 8 صباحاً و3 بعد الظهر ، هذا الامر ممكن ان يؤدي الى :

  • خفض فوري في كلفة التشغيل بنسبة 60% إلى 75%: إن استبدال استهلاك الديزل في المولدات وتفادي شراء الكهرباء في ساعات الذروة النهارية عبر الألواح الكهروضوئية يحقق وفراً فورياً يتجاوز ثلثي الفاتورة الطاقوية للإدارة المستفيدة.
  • تحرير أموال الموازنة : تحويل اعتمادات شراء المحروقات والصيانة الطارئة للمولدات في موازنة 2026 نحو بنود إنتاجية منها تطوير الأنظمة الرقمية، الصيانة الإنشائية، وتحسين الأجور والخدمات الأساسية للمواطنين.
  • فترة استرداد استثماري قياسية : بالنظر إلى كلفة الكيلوواط الساعي من المولدات التي تتجاوز 35 سنت اليوم ، فإن فترة استرداد كلفة المنظومة الشمسية (Payback Period) للقطاع العام لا تتعدى 2.5 إلى 3.5 سنوات عند التنفيذ ، وتصبح مجانية عملياً طوال العمر الافتراضي المتبقي للمشروع اي أكثر من 20 عاماً.

لا تنحصر خسائر انقطاع التيار الكهربائي في القيمة المالية المباشرة ، بل تمتد إلى شلل الخدمات العامة وفقدان الثقة بالدولة ، ووجود هذه الطاقة المستدامة والمستمرة يعني :

  • استمرارية الخدمات الحيوية دون انقطاع: تضمن الطاقة النظيفة استقرار العمليات الجراحية وحفظ الأدوية واللقاحات في المستشفيات الحكومية، وتشغيل مضخات مياه الشرب، وحفظ السجلات الجنائية والبيانات في قصور العدل والمراكز الأمنية.
  • إنعاش الإدارة العامة والمكننة: التحول الرقمي وإعادة تفعيل المعاملات الإلكترونية للمواطنين يتطلبان تغذية مستمرة بنسبة 99.9% للخوادم (Servers) وقاعات الخدمة، وهو ما توفره الأنظمة الهجينة اي طاقة شمسية وياف اليها بطاريات تخزين ذكية.
  • معيار كلفة دورة الحياة كضمانة للاستدامة: التخلي عن مناقصات السعر الأدنى التي جلبت معدات رديئة تعطلت بعد عامين ، وفرض كلفة دورة الحياة يضمن توريد أصول عالية الجودة مع عقود صيانة وإدارة مرافق ملزمة تمتد لعقدين ، مما ينهي مقبرة المشاريع المتوقفة بعد انتهاء فترة الهبات.

إن تحويل أسطح الجامعة اللبنانية ومباني الوزارات والمنشآت العامة إلى محطات توليد لا يعالج الميزانية فحسب ، بل يمثل محركاً ماكرو-اقتصادي للنمو مما يؤدي الى :

  1. تحفيز القيمة المضافة المحلية (Multiplier Effect):

o إطلاق برامج تركيب وتجهيز وصيانة دورية لآلاف المنشآت العامة يضخ سيولة مباشرة في السوق المحلي ، ويخلق فرص عمل متخصصة للمهندسين والفنيين اللبنانيين ، وينشط قطاع المقاولات والطاقة المتجددة.

  1. خفض كلفة ممارسة الأعمال (Ease of Doing Business):

o انتظام التيار في الإدارات العامة يُنهي تعطيل المعاملات العقارية ، الجمركية ، ورخص الاستثمار ، ما يقلل الهدر الزمني والتكلفة غير المباشرة على الشركات والمستثمرين ، مساهماً في رفع كفاءة الاقتصاد الكلي.

  1. التأثير المالي الكلي (Fiscal Multiplier):

o كل دولار توفره الخزينة من بند المحروقات المهدرة يمكن إعادة توجيهه إلى الإنفاق الرأسمالي (Capital Expenditure) ، وهو الإنفاق الذي يحمل أعلى مُضاعف للنمو الاقتصادي مقارنة بالإنفاق الاستهلاكي الجاري.

  1. جذب التمويل الخارجي وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات:

o خفض استيراد المشتقات النفطية يقلص تلقائياً الطلب على العملات الأجنبية في السوق ، مما يدعم استقرار سعر الصرف. في المقابل ، يفتح هذا التوجه الباب واسعاً أمام جذب الهبات والقروض الميسرة من الصناديق التنموية العالمية (الأوروبية والآسيوية مثل الصين ، اليابان عبر JICA، وكوريا الجنوبية) لتمويل البنية التحتية.

إن مأسسة هذا التحول عبر برنامج وطني تقوده وزارة المال وهيئة الشراء العام يقوم على تدقيق الأحمال وتطبيق كلفة دورة الحياة وتفعيل الشراكة مع المانحين والصناديق التنموية ليس ترفاً بيئياً ، بل هو قرار تعافٍ مالي واقتصادي حاسم يحوّل المؤسسات العامة من عبءٍ استنزافي على الدولة إلى قاطرة تدفع الإنتاجية والنمو في لبنان ويوفر على الخزينة اللبنانية مبلغ بالمتوسط 200 مليون دولار سنويا” يضاف اليها خفض عامل التلوث والذي سينعكس حتما” على الفاتورة الصحية .

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى