رأي

الدين أفيون الشعوب ؟… ولكن أيّ شعوب وأيّ أفيون؟ ( أسامة مشيمش)

 

بقلم د.أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

 

لم يكن في بالي أن ألتقي شخصاً ماركسياً ما زال يعيش فكرياً في سبعينيات القرن الماضي، يدافع ويناقش ويهاجم، ويحاول إعادة تثبيت أفكار كنت أظن أنها اندثرت وتجاوزها الزمن، بعد التحولات الفكرية والسياسية التي شهدها الحزب الشيوعي اللبناني، ولا سيما ما أفرزته مؤتمراته المتعاقبة، وما طُرح خلالها من مراجعات وتوجهات جديدة على يد منظّري الحزب ومفكريه.

 

لكن المفارقة اللطيفة، واللمعة الفكرية التي أضاءها لي هذا اللقاء، تمثّلتا في اكتشاف أن المعركة القديمة مع الدين لا تزال حاضرة في أذهان البعض، وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن مقولة كارل ماركس الشهيرة: «الدين أفيون الشعوب» ما زالت تصلح مفتاحاً وحيداً لفهم علاقة الإنسان بالدين والتدين.

 

يا عزيزي، نعم، الدين أفيون الشعوب، ولكن ليس بالمعنى الذي أردته أنت، ولا بالمعنى الذي استُخدمت فيه هذه المقولة طويلاً لتصوير الدين باعتباره وسيلة لتخدير العقول وتدجين المجتمعات وإبعادها عن المطالبة بحقوقها.

 

إن الأفيون، في قراءتي لهذه المفارقة، ليس مادة تُغيّب الوعي، بل استعارة لعلاج روحي يحتاج إليه الإنسان في مواجهة أمراضه الأخلاقية والنفسية؛ من الأنانية، إلى الغرور، إلى الحقد، وصولاً إلى سوء الخلق والاستعلاء على الآخرين. فالدين، بما يمثّله من علاقة روحية وصفاء ذاتي، وبما تفرضه ممارسة الشعائر والعبادات من مراجعة للنفس وتهذيب للسلوك، يمنح الإنسان قدرة أعمق على فهم أسباب الوجود والخليقة، ويعيد ترتيب علاقته بذاته وبالآخرين وبالخالق.

 

فإلى من يلجأ الإنسان حين تضيق به الحياة، وتختل موازين العدالة، وتصبح المصالح الشخصية معياراً للعلاقات الإنسانية؟ أليس إلى ربه، الذي يعلّمه أن كرامته ليست موضع مساومة، وأن الظلم ليس قدراً ينبغي التسليم به، وأن الحق لا يسقط بالصمت ولا بالتقادم؟

 

والأهم من ذلك أن التدين الحقيقي لا يعني الاستسلام للظلم، ولا دعوة الإنسان إلى التفريط بحقوقه أو التنازل عنها تحت عناوين الصبر والتسامح والتسليم بالأمر الواقع. فثمة فرق جوهري بين العفو عن الإساءة الشخصية، وهو قيمة أخلاقية رفيعة حين يكون اختياراً حراً، وبين التنازل عن الحقوق المشروعة أو السكوت عن الاعتداء عليها.

 

إن المطالبة بالحقوق واجب أخلاقي وشرعي، وقد تكون واجباً عينياً عندما يتعلق الأمر بحق لا يستطيع أحد غير صاحبه استرداده أو الدفاع عنه. ومن هنا تأتي قيمة الموقف الديني الذي يرفض الظلم، ويجعل قول الحق ومواجهة الباطل مسؤولية لا ترفاً فكرياً. أليس في المأثور الديني أن الساكت عن الحق شيطان أخرس؟

 

إن المشكلة ليست في الدين، بل في توظيفه خارج مقاصده، كما أن المشكلة ليست في الفكر الماركسي بوصفه تجربة فكرية وسياسية تستحق النقاش والنقد، بل في تحويل بعض مقولاته التاريخية إلى نصوص جامدة لا تقبل المراجعة، وكأنها عقيدة مغلقة لا يجوز الاقتراب منها.

 

لقد تجاوز العالم كثيراً من ثنائيات القرن الماضي، وأصبح من الضروري أن ننتقل من سجالات التخوين والتكفير الفكري إلى حوار معرفي يختبر الأفكار بنتائجها ومقدار ما تقدمه للإنسان والمجتمع.

 

فالدين الذي يحرر الإنسان من عبودية الأنا، ويحصّنه أخلاقياً، ويدفعه إلى مقاومة الظلم والمطالبة بالعدالة، ليس أفيوناً يُغيّب الشعوب، بل وعيٌ يوقظها، وقوةٌ تمنحها القدرة على مواجهة الاستبداد وصون الكرامة.

 

ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: هل الدين أفيون الشعوب؟ بل: أيّهما أكثر خطراً على الإنسان، إيمانٌ يوقظه إلى حقوقه وواجباته، أم فكرٌ يتحول إلى أفيون حين يتوقف عن مراجعة نفسه؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى