
بقلم د.عماد عكوش – الحوارنيوز
تُعد أزمة القطاع المصرفي في لبنان بلا شك واحدة من أصعب العقد النقدية والمالية في العصر الحديث. الفجوة المالية تتخطى الـ 70 مليار دولار، والأخطر أن هذا القطاع مترابط بشكل كامل وعضوي مع كل مفاصل الاقتصاد. ومن منظور علم الاقتصاد والسياسات المالية ، يطرح الواقع اللبناني تساؤلات جوهرية تبدأ من التساؤل عما إذا كان يمكن لأي اقتصاد في العالم أن ينهض بدون قطاع مصرفي؟ والجواب القاطع هنا هو مستحيل ، فالمصارف هي بمثابة القلب والشرايين لأي اقتصاد حديث . دورها الأساسي ليس فقط الاحتفاظ بالأموال ، بل هي حلقة الوساطة التي تحول المدخرات المجمدة إلى استثمارات حقيقية وقروض تشغيلية للشركات والأفراد . وبدون قطاع مصرفي سليم وشفاف ، ينحدر الاقتصاد ونتحول رغما” عنا إلى اقتصاد نقدي (Cash Economy) أو اقتصاد غير رسمي ، وهو اقتصاد ضعيف الإنتاجية ، لا يقدر على تمويل المشاريع الكبرى ، يعجز عن جذب الاستثمارات الأجنبية ، وغائبة عنه الرقابة تماماً ، مما يجعله بيئة مثالية لغسيل الأموال والكساد المستمر.
وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني: هل يمكن ربط لبنان بالأسواق المالية العالمية بدون مصارف؟ والجواب عملياً وقانونياً هو أن هذا غير ممكن نهائياً ، فالأسواق المالية العالمية ، والبنوك المراسلة ، وشبكات الدفع الدولية مثل (Swift)، لا تتعامل مع الفراغ أو مع كيانات لا تطبق معايير “اعرف عميلك ” (KYC) ومكافحة تبييض الأموال (AML) . إن غياب قطاع مصرفي لبناني معتمد وذي ملاءة مالية يعني بقاء لبنان معزولاً تماماً عن منظومة التجارة العالمية ، التحويلات ، والاستثمار ، مما يجعل حتى أبسط التحويلات الخاصة بالمغتربين والشركات الكبرى أمراً معقداً وشبه مستحيل بطرق رسمية وآمنة.
بالنظر إلى المستقبل يبرز التساؤل الملح ، ما هو مصير الاستمرار في عدم معالجة هذه المشكلة والهروب إلى الأمام؟ الحقيقة أن الاستمرار بسياسة تجميد الأزمة والتعايش مع الانهيار سيقودنا إلى نتائج كارثية ، أبرزها تثبيت “الاقتصاد النقدي ” بحيث يتحول لبنان إلى كيان يعتمد كلياً على السيولة النقدية الواردة من الخارج مثل تحويلات المغتربين أو الأموال غير المشروعة مع تآكل كامل لما تبقّى من الطبقة الوسطى. يضاف إلى ذلك موت الأنشطة الإنتاجية نتيجة استحالة حصول أي مصنع أو مزرعة أو شركة تجارية على تمويل أو تسهيلات ، مما يعني إفلاس المزيد من المؤسسات وارتفاع البطالة والفقر الهيكلي . وأما أي نمو خفيف يظهر أحياناً في مواسم معينة أو قطاعات خدمية وسياحية ضيقة ، فهو مجرد نمو هش ومؤقت لا يرتكز على اقتصاد حقيقي ، ويزول مع أول هزة أمنية أو سياسية.
وهنا يطرح التساؤل الأهم: ما هي الأسباب الحقيقية التي تمنع المعالجة؟ برأيي تكمن المشكلة في تقاطع مصالح ضيقة وافكار اقتصادية قاصرة ، تتلخص في رفض الاعتراف بالخسائر وتوزيعها بعدالة ، فالأزمة باختصار هي فجوة نتجت عن تبخر أموال مصرف لبنان والمصارف التجارية نتيجة تمويل عجز الدولة وهندساتها المالية ، واليوم كل طرف (الدولة ، المصرف المركزي ، والمصارف ) يتهرب ويحاول رمي الخسارة على الطرف الآخر لكي لا يتأثر المساهمون أو الجهات السياسية المرتبطة بهم . يضاف إلى ذلك غياب الإرادة السياسية للإصلاح ، حيث يحتاج الحل الحقيقي إلى إعادة هيكلة المصارف (إفلاس الضعيف ودمج القوي) وتصفية الديون غير المستدامة ، وهذا يتعارض تماماً مع مصالح شبكات النفوذ السياسي والمالي المستفيدة من الوضع الحالي للتهرب من المحاسبة. ويبرز أيضاً التخبط التشريعي والطعون المتمثلة في التجاذبات المستمرة بين الحكومة ومجلس النواب ومصرف لبنان ، والتعثر في إقرار قوانين واضحة للانتظام المالي وإعادة الهيكلة ، وصولاً إلى إسقاط القوانين أو الطعن فيها بحجة حماية فئات معينة على حساب المودعين.
وعليه ، يبقى السؤال الأخير: من يتحمل المسؤولية عن كل هذه الكارثة؟ في الواقع المسؤولية مشتركة وتاريخية ، وتتوزع على أطراف رئيسية تشمل السلطة السياسية والحكومات المتعاقبة التي أدارت البلاد لعقود بسياسات مالية تعتمد على الاستدانة العشوائية وغياب الموازنات الشفافة وتحويل الدولة إلى محاصصات ثم تقاعست عن إقرار خطط إنقاذ بعد وقوع الانهيار. كما يتحمل المسؤولية مصرف لبنان المركزي الذي صمم وطبق سياسات نقدية مدمرة جذبت الودائع بفوائد خيالية لتغطية عجز الدولة متجاهلاً مستقبل الملاءة المالية. فضلاً عن أصحاب المصارف وإداراتها التي قبلت بالانخراط في هذا النموذج غير المستدام مع الدولة مقابل فوائد فلكية متجاهلة أبسط قواعد إدارة المخاطر ، ثم اختارت لاحقاً حماية مصالحها الخاصة على حساب جنى عمر المودعين.
في الخلاصة ، لبنان لن يستعيد عافيته الاقتصادية أو يعود محطة مالية إقليمية إلا بخطة جريئة وواقعية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ، تعترف بالخسائر بشفافية ، تُعيد رسملة المصارف القادرة على الاستمرار ، وتحمي الودائع وخاصة ودائع صغار المودعين قدر الإمكان ، بالتوازي مع إصلاحات حقيقية في المالية العامة للدولة. ما عدا ذلك، فهو مجرد تقطيع للوقت في غرفة إنعاش اقتصادية بلا



