إقتصاد

إلى أيّ مدى سيحتاج اقتصاد المستقبل القريب إلى اليد العاملة البشرية؟ إبراهيم عميس)

 

كتب د. ابراهيم علي عميس – الحوانيوز

مَن يُسمح له بالحياة؟ ( الجزء الثاني)

 

في المقال الأول من هذه السلسلة، تناولتُ سؤال: «مَن يُسمح له بالحياة؟» في سياق الحروب والتهجير، وفي تفاوت القيمة التي يمنحها العالم لحياة البشر: شعوبٌ تُحمى مهما كان الثمن، وأخرى يُتسامح مع معاناتها حتى تصبح جزءًا من المألوف. لكن يبدو لي الآن أن الحروب ليست سوى الوجه الظاهر لتحوّل أعمق بكثير.

 

فماذا لو لم يعد السؤال السياسي الأكبر في هذا القرن هو: كيف تُحكَم البشرية؟ بل: كم عدد البشر الذين سيبقى اقتصاد المستقبل بحاجة إليهم؟

 

عبر معظم التاريخ، كان العدد الكبير من السكان قوةً بحد ذاته. احتاجت الدول إلى فلاحين يزرعون الأرض، وعمّال يديرون المصانع، وجنود يحمون الحدود، وأجيال شابة تسند كبار السن. كان النمو السكاني مرادفًا للقوة: أيدٍ عاملة، واستهلاك، وضرائب، وجيوش. وكانت قوة الدولة تُقاس، إلى حدّ بعيد، بعدد أبنائها.

 

لكن الأتمتة  Automation) ) بدأت تفكّك هذه المعادلة من جذورها.

 

فالذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمصانع المؤتمتة، تتيح اليوم إنتاج ثروة هائلة بعدد أقل بكثير من البشر. الآلة تُصنّع، وتدير المستودعات، وتحلّل البيانات، وتقود المركبات، بل وتؤدي مهامّ في الطب والحرب كانت حكرًا على الإنسان.

 

وهذا، من حيث المبدأ، وعدٌ عظيم: تحرير الإنسان من الأعمال الشاقة والمتكررة، ومنحه وقتًا أكبر لما يمنح حياته معنى. لكن التاريخ لا يمنحنا أسبابًا كافية للثقة بأن ثمار هذا التحول ستُوزَّع بعدل.

 

الاحتمال الأكثر إثارة للقلق ليس أن تفشل المجتمعات في استخدام التكنولوجيا لمحو الفقر، بل أن تبدأ، ببطء ومن دون إعلان، بالنظر إلى الفقراء أنفسهم بوصفهم فائضًا بشريًا لم يعد الاقتصاد بحاجة إليه.

 

ولا يستلزم ذلك مؤامرةً أو خطةً سرية معلنة. يكفي أن تتقاطع المصالح الاقتصادية مع التحوّل التكنولوجي، ومع قرارات سياسية وحروب لا تنتهي، فتصبح حياة فئات بعينها أصعب في بدايتها، وأقسى في استمرارها، وأقصر في نهايتها.

 

وتكمن الخطورة في الاتجاه الذي تسير نحوه الأمور أمام أعيننا. ولعلّ أحد أوضح مظاهره هو الانزلاق التدريجي من الديمقراطية نحو حكم القلة  Oligarchy) ).

 

لنأخذ مثالًا ملموسًا: في الولايات المتحدة، تُقدَّر ثروة أغنى 1% من السكان اليوم بما يفوق مجموع ثروة الطبقة الوسطى بأكملها. وفي الوقت نفسه، تتحكم مجموعة صغيرة جدًا من شركات التكنولوجيا العملاقة في أجزاء واسعة من البنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها مليارات البشر يوميًا: مَن نتحدث معه، وما نقرأه، وأيّ الأفكار تصل إلينا أولًا.

 

وهذه ليست ثروةً فحسب، بل سلطة فعلية على تشكيل الرأي العام والسياسة والتعليم والصحة، تتركز في أيدي عدد محدود جدًا من الأفراد؛ لا عبر صندوق اقتراع، بل عبر ملكية الأدوات التي بات المجتمع بأسره يعتمد عليها في العيش والعمل والتفكير.

 

ومع تركز الثروة والنفوذ، يبدأ مبدأ الجدارة  Meritocracy) ) بالتآكل من الداخل، حتى وإن ظل حاضرًا بقوة في الخطاب العام. يُخيَّل للناس أنهم يتنافسون في ساحة مفتوحة، بينما تتحول أفضل المدارس، وأرقى الأحياء، وأمتن شبكات النفوذ، وأحدث التقنيات، إلى امتيازات تُورَّث أكثر مما تُكتسب.

 

يبقى الذكاء والاجتهاد عاملين حقيقيين، لكنهما يعملان داخل سقف ترسمه، إلى حد كبير، ثروة الأسرة ومكانتها منذ البداية. والنتيجة ليست مجرد تفاوت اقتصادي عابر، بل تشكّل نظام طبقي يرتدي قناع المنافسة الحرة.

 

من هنا يظهر مفهوم طرحه المؤرخ يوفال نوح هراري تحت مسمّى «الطبقة عديمة الفائدة»  Useless Class)  ): فئة بشرية واسعة قد لا تفتقر فقط إلى فرص العمل، بل إلى أي دور اقتصادي يُبرِّر، في منطق السوق وحده، الحاجة إليها أصلًا.

 

فالتاريخ عرف طبقات مستغَلّة: عمّالًا يُستنزف جهدهم، وفلاحين يُنتزع فائض إنتاجهم، لكنها ظلّت طبقات «ضرورية» رغم قسوة استغلالها. أما «الطبقة عديمة الفائدة» فهي مختلفة جوهريًا؛ فهي ليست مضطهَدة لأنها منتِجة يُستولى على عملها، بل مهمَّشة لأن أحدًا لم يعد بحاجة إلى عملها أصلًا.

 

كان الاستغلال التاريخي يقول للإنسان: «نحتاج إلى عملك، لكننا لن نعطيك عائده كاملًا.»

أما هذا الشكل الجديد فقد يقول له، ببساطة أشد قسوة: «لسنا بحاجة إليك.»

 

ومن يقع في القمة يملك أدوات إطالة حياته وحمايتها: تغذية أفضل، وبيئة أكثر أمانًا، وطبًا وقائيًا متقدمًا، وربما لاحقًا علاجات جينية وتجديدية أكثر تطورًا. أما من يقع في القاع، فقد يواجه تأخرًا في الرعاية الصحية، وأعمالًا أكثر خطورة، وإدمانًا، وعنفًا، وتلوثًا، وضغطًا ماليًا لا ينتهي.

 

هذه الظروف لا تقتل الإنسان فورًا؛ بل قد تُقصّر عمره ببطء، وبصمت، وبقدر كبير من القابلية للتنبؤ.

 

قد يبقى الجميع متساوين أمام القانون في «الحق في الحياة»، لكن القدرة الفعلية على العيش بأمان، والوصول إلى الرعاية الصحية، وتكوين أسرة، وبلوغ الشيخوخة بكرامة، قد تصبح أكثر تفاوتًا يومًا بعد يوم.

 

فإذا كانت التكنولوجيا ستُنتج ثروة أكبر بعدد أقل من البشر، يبقى السؤال الحقيقي: مَن سيملك هذه الثروة؟ ومَن سيقرر كيف تُوزَّع؟

 

الخطر ليس في أن تحل الآلة محل العامل فحسب.

الخطر الحقيقي هو أن يُعامَل الإنسان، بعد أن يستغني الاقتصاد عن عمله، وكأنه فقد قيمته.

 

ومتى فقد الإنسان قيمته في نظر المنظومة، يصبح الاستغناء عنه أمرًا ممكنًا.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى