حين تصمت الدولة.. هل يُعاد رسم جنوب لبنان بالنار أم يُعاد تشكيل الوعي؟ (أسامة مشيمش)

بقلم د.أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز
لم يعد الخبر في جنوب لبنان خبرًا بالمعنى التقليدي للكلمة. فالتفجيرات اليومية، واستهداف القرى والبلدات، وتدمير المنازل والبنى التحتية، أصبحت بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين مشاهد متكررة تكاد تفقد عنصر المفاجأة. والخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الدمار المادي، بل في تحول هذا المشهد إلى حالة اعتيادية تُستهلك يومًا بعد يوم، حتى يغدو الألم جزءًا من الحياة اليومية.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات عميقة حول ما إذا كان الاعتياد على مشاهد الخراب قد يقود مع مرور الزمن إلى تآكل الذاكرة الوطنية، بحيث تصبح القرى المدمرة مجرد أسماء في كتب التاريخ، لا أماكن نابضة بالحياة في الوجدان اللبناني. إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي شعب ليس فقط خسارة الأرض، وإنما خسارة الارتباط النفسي والوجداني بها.
في المقابل، تبدو مؤسسات الدولة اللبنانية، في نظر كثير من المواطنين، عاجزة عن مواكبة حجم التحديات التي يواجهها الجنوب. وبين البيانات الرسمية والمواقف السياسية المتكررة، يشعر أبناء المناطق الحدودية بأنهم يواجهون مصيرهم منفردين، فيما تتسع الفجوة بين السلطة والناس، وتتراجع الثقة تدريجيًا بقدرة الدولة على القيام بدورها في حماية الأرض والمواطن.
هذا الشعور بالإهمال ينعكس بصورة مباشرة على المزاج الشعبي، حيث تتزايد الأصوات المطالبة بتحرك وطني وشعبي يعبّر عن رفض استمرار هذا الواقع، ويضغط باتجاه تحمّل الدولة لمسؤولياتها الدستورية والسيادية. فحين يشعر المواطن بأن المؤسسات لم تعد تمثل تطلعاته، يصبح الشارع وسيلته الأخيرة للتعبير عن القلق والغضب.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال حقيقة أن الداخل اللبناني يعيش مستويات مرتفعة من الاحتقان السياسي والطائفي والمذهبي. فالخطاب المتشنج لم يعد حكرًا على الهامش، بل بات يصدر أحيانًا عن شخصيات ذات حضور وتأثير، كانت تُصنَّف سابقًا ضمن التيار الوسطي، وهو ما يضاعف من حجم المخاوف بشأن مستقبل الاستقرار الداخلي.
إن استمرار هذا المناخ المشحون، بالتزامن مع الضغوط الأمنية والعسكرية، يثير مخاوف مشروعة من دخول البلاد في مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتراجع الهوية الوطنية الجامعة لمصلحة الانقسامات الفئوية. وعندما تضعف الثقة بين مكونات المجتمع، يصبح النسيج الوطني أكثر هشاشة أمام أي أزمة جديدة، ويصبح المواطن البسيط هو أول من يدفع الثمن، سواء كان فقيرًا أو محرومًا أو فاقدًا لأبسط مقومات العيش الكريم.
إن لبنان لا يحتمل اليوم مزيدًا من الانقسامات، ولا مزيدًا من الخطابات التي تؤجج العصبيات وتغذي الكراهية. فالأوطان لا تُبنى بالتحريض، ولا تُحمى بإضعاف الدولة أو بتفكيك المجتمع، وإنما بإحياء مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطنة وللدستور ولمبدأ الشراكة بين جميع اللبنانيين.
إن اللحظة الراهنة تفرض على الجميع، سلطةً ومعارضةً وقوى سياسية ونخبًا فكرية، مراجعةً صادقةً للمسار الذي يسلكه الوطن. فلبنان يقف أمام مفترق طرق بالغ الحساسية، وأي إخفاق في احتواء الأزمات المتراكمة قد يقود إلى نتائج يصعب تداركها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يدرك اللبنانيون، قبل فوات الأوان، أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ما يجري على الحدود، بل أيضًا في الانقسامات التي تنمو داخل الوطن؟ وهل تستيقظ الدولة لتكون دولةً لكل اللبنانيين، أم يستمر التباعد بين السلطة والشعب حتى يصبح إصلاح ما تهدم أكثر صعوبة من منع انهياره؟



