اتفاق الإطار وبوصلة الجيش اللبناني )أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

يُجمع اللبنانيون بمختلف أطيافهم وطوائفهم وانتماءاتهم السياسية والحزبية على أن الجيش اللبناني هو رمز وحدة الوطن، وهو الحافظ للسلم الأهلي والعيش المشترك. هذا الإجماع تحظى به قيادة الجيش وضباطه وجنوده على الأقل منذ اتفاق الطائف وإنهاء الحرب الأهلية، ولسنا نقول قبل ذلك، لأن هناك لغطاً كبيراً حول دوره في تلك الفترة، لما اعتراها من محاولات كثيرة لزج الجيش ضد أبناء بلده، نجح بعضها وفشل بعضها الآخر، ولأن تلك المرحلة شهدت خلافات سياسية حادة أدّت إلى انقسامه وإدخاله في معارك جانبية خدمة لمصالح شخصية وفئوية وحزبية.
والكل يعلم أنه بعد اتفاق الطائف تمت إعادة توحيد الجيش تحت مشروع وطني جامع بقيادة العماد إميل لحود، وفعلًا حافظ الجيش على وحدته ووحدة لبنان وعيشه المشترك طيلة تلك السنوات وحتى يومنا الحاضر. وقد مرّت أحداث جسيمة على لبنان، ودائماً كانت قيادة الجيش تسلك به الطريق الذي يحفظ المصلحة الوطنية ويُعزّز التفاف الشعب حوله، علماً أن عدداً من الرؤساء وقيادات الأحزاب سعت جاهدة لزجه في معارك داخلية ضد جهات مناوئة لهم، لكن وعي قيادة الجيش – كل قيادات الجيش منذ الطائف حتى اليوم – حال دون تنفيذ هذه المشاريع التقسيمية الانعزالية.
خلال سنوات التسعينيات من القرن الماضي وقف الجيش اللبناني إلى جانب أهله ومقاومتهم ضد الاحتلال الصهيوني، وأدّى هذا التلاحم إلى اندحار العدو في العام 2000 دون أي قيد أو شرط. ولاحقاً، عندما اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005، وبرغم الانقسام السياسي الحاد جداً، فقد حافظت قيادة الجيش على الحياد الإيجابي، بحيث وأدت الفتنة التي أشعل نارها البعض لانتقامات شخصية وحزبية. كذلك لعب الجيش دور الإطفائي في أحداث السابع من أيار عام 2007، واستطاع إعادة الهدوء والطمأنينة لشعبه في وقت قصير. ثم خاض معارك بطولية ضد الإرهاب على الساحة الداخلية، وفكّك خلاياه، وقضى على كثير من مجموعاته التي حاولت الاستفراد في بعض المناطق والسيطرة عليها، كما في مخيم نهر البارد أو في أطراف مدينة صيدا. وكانت معركته الأشرس ضد داعش التي هاجمت الحدود اللبنانية، فتصدى لها بمساعدة الشعب ورجال المقاومة، وأنزل بها خسائر فادحة، وطردها إلى خارج حدود الوطن. في كل تلك المحطات كان الجيش يكتسب مزيداً من التأييد والمحبة والتقدير من كل الأفرقاء. كذلك عندما قامت ما سُمّي بـ”ثورة 17 تشرين”، استطاع الجيش بحنكته الحفاظ على الأمن والبقاء على الحياد بين الأطراف المتنازعة وكسب الرهان. ولا عجب أن رؤساء الجمهورية منذ عام 1998 وحتى الآن هم من قادة الجيش اللبناني، لما يتمتع به الجيش من تقدير لدوره في كل المراحل الصعبة التي مرّت على هذا الوطن.
يمكن القول إن المرحلة الحالية هي من أصعب المراحل التي يمر بها لبنان، وهذا يُحمّل قيادة الجيش الحالية برئاسة العماد رودولف هيكل مسؤولية وطنية عظيمة – وهو يتصدى لها باقتدار – لكن الأحداث بعد عدوان العام 2024 أخذت منحى مختلفاً، إذ إن وصول العماد جوزف عون إلى رئاسة الجمهورية لم يكن وليد إجماع لبناني كما حصل مع غيره، بل جاء بدعم خارجي واضح من السياسيين الأمريكيين، مع تأييد من جهات لبنانية اعتبرت أن لها الفضل الأكبر في وصوله إلى الرئاسة. لذا استُغل العدوان الصهيوني على لبنان للضغط عليه كما يفعل الأمريكيون، والهدف إدخال الجيش والمقاومة في معركة عسكرية تُحقق أحلام أمريكا والعدو الصهيوني، تحت عنوان “حصر السلاح بيد الدولة”، وهي كلمة حق يُراد بها باطل، والحق أن يكون السلاح حصرًا بيد الدولة، والباطل أن توقيت ذلك في ظل وجود احتلال صهيوني لقسم كبير من الجنوب اللبناني، هو خدمة لمشاريع الاحتلال، وإضعاف للبنان في مواجهته، إضافة إلى أن ذلك يُفترض أن يحظى بإجماع لبناني حول مثل هذه القرارات المصيرية، لما فيه من تخلي عن ورقة قوة لبنان في وجه الأعداء من أي جهة هاجمته.
لعل أخطر ما في ذلك هو القرارات التي اتخذتها حكومة الرئيس نواف سلام ضد المقاومة، واعتبار سلاحها غير شرعي، والطلب من الجيش نزع سلاحها ولو بالقوة. ويوازي هذا الخطر الطلب من الجيش سحب قواته من الجنوب إفساحاً لقوات العدو لمزيد من الاحتلال، وكأنه يُراد بذلك أيضاً تغيير وظيفة الجيش الأساسية من مقاومة الاحتلال والدفاع عن حدود الوطن إلى حشره في معارك مع قسم وازن من شعبه. لكن يُشهد لقيادة الجيش حسن إدارتها للملفات التي رمتها الحكومة بوجهها، وكذلك لطلبات وتمنيات بعض الأحزاب الانعزالية التي ما فتئت تسعى لضرب الجيش وتقسيم لبنان، وهي المشاريع التي أسقطتها قيادات الجيش عبر السنوات الماضية. والأدهى من ذلك كله هو حشر الجيش في مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني، وهي المفاوضات التي لا تحظى باتفاق اللبنانيين، بل هي محل انقسام واسع.
صلابة قيادة الجيش في مواجهة كل تلك الأخطار نجد صداها في الهجمة الأمريكية على قائد الجيش التي طالبت في فترة ما بإقالته، وهي أصوات وجدت مؤيدين لها عند بعض المسؤولين اللبنانيين. لكن أحقية موقف الجيش الوطني وملفاته الواقعية والمقنعة أبعدت هذه الكأس المرّة عن لبنان. ثم كانت المواقف الأبرز لضباط الجيش اللبناني في المفاوضات المباشرة – التي لا يستطيع الجيش عدم تلبيتها لأنها قرارات سياسية متخذة من أعلى سلطات لبنان: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء – عندما رفضوا مصافحة الضباط الصهاينة والتقاط الصور معهم. هذه الصور كانت القيادة الصهيونية بأمس الحاجة إليها لتسويقها في الداخل الصهيوني على أنها إنجاز ضخم ونتاج العملية العسكرية ضد المقاومة.
ما نعتقده أن الجيش وقيادته لا يتخذون مصادر تتكلم باسمهم، فقائد الجيش يُعلن مواقفه بشكل صريح وواضح لا لبس فيه. وهو مثلاً أعلن في “أمر اليوم” بمناسبة عيد المقاومة والتحرير أن المناسبة محطة وطنية مفصلية تُجسد صمود اللبنانيين وتمسكهم بسيادتهم، مشدداً على أن الجيش سيبقى السد المنيع في وجه المؤامرات، وأن السلم الأهلي والوحدة الوطنية هما السلاح الأقوى لحماية لبنان، كما شدد على أن الأمل يبقى كبيراً في استعادة كل شبر من الأراضي اللبنانية المحتلة، مستمداً العزيمة من تضحيات الشهداء. هذه الروح الوطنية أزعجت الكثيرين في لبنان وخارجه. ولا ننسى تأجيل زيارة قائد الجيش إلى أمريكا في وقت سابق، ولاحقاً عند زيارته تعرض لانتقادات عديدة لرفضه إدخال الجيش في مواجهات ضد شعبه وأهله. ومع ذلك فإن ما ذكرته إحدى وسائل الإعلام اللبنانية على أنه مصادر عسكرية يُعبّر بطريقة ما عن هواجس الجيش وقيادته: “وهي ترى أن دماء العسكريين الشهداء الذين سقطوا بفعل الاعتداءات الإسرائيلية لم تجف بعد، وآثار العدوان لا تزال ماثلة في المناطق اللبنانية، كما أنه يتوجب مراعاة مشاعر اللبنانيين والالتزام بما ينسجم مع حجم التضحيات التي قُدمت دفاعاً عن الوطن، وأن المواقف التي أثيرت عن رفض الوفد العسكري اللبناني التقاط صورة مع الوفد الإسرائيلي تُعبّر عن قراءة خاطئة لطبيعة المهمة الموكلة إلى الوفد ولحساسية المرحلة في لبنان”.
وذكرت وسيلة صحفية ثانية أنه وردت معلومات تحدثت عن “امتعاض يسود بعض الدوائر الأميركية من رفض الوفد العسكري اللبناني الظهور في صورة مشتركة مع الجانب الإسرائيلي”، كما تحدثت عن تحرّك للسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض لمعالجة هذا الامتعاض حتى لا يهدّد الدعم الأميركي للجيش اللبناني. وكشفت وسيلة صحفية ثالثة أن الوفد العسكري اللبناني رفض أن تكون المناطق النموذجية تحت الاحتلال وتحت الخط الأصفر، كذلك رفض أن يدخل الجيش اللبناني إلى قرى وبلدات في ظل وجود الجيش الإسرائيلي، ورفض أيضاً إدخال تلة علي الطاهر ضمن المناطق التجريبية. وبعيداً عن المصادر الصحفية، فإن ما صدر عن الجانب الصهيوني من عدم الرضا عن نتائج المفاوضات، وصلابة وتشدد الوفد العسكري اللبناني فيما يطلبه العدو من تنازلات، وتحديده لخطوط حمراء لا يُمكن التنازل عنها كسيادة لبنان ووحدة أراضيه وخروج الاحتلال من كل المناطق اللبنانية، تؤكد التزام قيادة الجيش اللبناني بالثوابت الوطنية واستقلال قراره الحر.
يبدو أنه بعد اصطدام وفد العدو الصهيوني العسكري بمواقف وفد ضباط الجيش اللبناني في المفاوضات، قد أعاد الكرة إلى الملعب السياسي وهو الخاصرة الرخوة التي لا ترفض له طلبًا، بل تتماهى مع مطالبه، خصوصًا أنها تكن العداء الشديد للمقاومة ونهجها، فكان التعجيل بتوقيع إطار اتفاق بين السفيرة اللبنانية والسفير الصهيوني في واشنطن بشروط أقل ما يُقال أنها مذلة للبنان، وتُغطي شرعية الاحتلال، وتضع الجيش اللبناني في مواجهة شعبه وأهله، وهو ما سعت اليه أمريكا والكيان الصهيوني منذ سنوات، واليوم العين على قيادة الجيش وكيفية تعاملها مع جيش الاحتلال فيما خص هذا الاتفاق، فهل سترضى بما ورد فيه من تثبيت الاحتلال؟ وجعل ضباطه خدمًا عند الجيش الصهيوني، يتلقون أوامره وينفذون رغباته، ويتحولون إلى شرطة عنده، أم كما عهدناه دومًا جيشًا وقيادة تضع مصالح الوطن فوق كل اعتبار.
لا شك أن مواقف قيادة الجيش وضباطه الشجعان هي فعلاً ضمانة وحدة لبنان وعيشه المشترك، فهل يُثبت الجيش وقيادته مرة أخرى أنهم لن يُفرّطوا بحقوق لبنان مهما عظمت الضغوط السياسية عليهم؟
الأيام المقبلة ستظهر ذلك، وستثبت أن اللبنانيين محظوظون بوجود هذه القيادة الحكيمة على رأس الجيش، وهي أهل لها، وأهل لأن تلعب الدور الأبرز في مستقبل لبنان، لأنها تحمل هذه الروح الوطنية الصادقة.



