رأي

المقاومة بين الوعي الإنساني والتحولات السياسية أسامة مشيمش)

 

 

 

بقلم الدكتور أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز

في السنوات القليلة الماضية، شهد لبنان حملة إعلامية وسياسية متصاعدة هدفت إلى تطبيع فكرة التواصل مع الكيان الإسرائيلي، ومحاولة تقديمها بوصفها “وجهة نظر” تستحق القبول داخل المجتمع اللبناني، بعد أن كانت في مراحل سابقة مرتبطة علناً بأطراف تعاونت مع الاحتلال خلال سنوات الحرب الأهلية. واليوم، وفي ظل التحولات الإقليمية العاصفة، عاد هذا الخطاب ليظهر بصورة أكثر جرأة ووضوحاً.

 

لقد أدّت الحروب والصراعات الأخيرة في المنطقة، وما رافقها من تدخلات أميركية وإسرائيلية مباشرة وغير مباشرة، إلى إعادة تشكيل موازين القوى في عدد من الدول، وإلى تغييرات عميقة في بنية الأنظمة السياسية والاجتماعية، كما حدث في سوريا وغيرها. وفي خضم هذه الفوضى، برز داخل لبنان خطاب سياسي وإعلامي يهاجم فكرة المقاومة نفسها، لا بوصفها خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل باعتبارها عبئاً يجب التخلص منه، مستنداً إلى الوقائع الجديدة التي فرضتها التحولات الإقليمية.

 

غير أنّ قراءة التاريخ القريب والبعيد تؤكد حقيقة ثابتة: كل من وضع قراره الوطني في عهدة الولايات المتحدة أو إسرائيل لم يُعامل كشريك مستقل، بل كطرف تابع يُطلب منه التنفيذ لا المشاركة في القرار. فالسياسات الدولية لا تُبنى على العواطف أو الشعارات، بل على المصالح وموازين القوة، ومن يتخلّى عن عناصر قوته يفقد تدريجياً قدرته على حماية سيادته وكرامته الوطنية.

 

إنّ المقاومة، في جوهرها، ليست مجرد تنظيم أو حالة عسكرية مرتبطة بمرحلة زمنية محددة، بل هي تعبير طبيعي عن إرادة الإنسان الحر في رفض الاحتلال والهيمنة والإذلال. فحين يدافع الإنسان عن أرضه وحقه وكرامته، فهو يمارس أسمى معاني الإنسانية التي أودعها الله فيه، ولذلك بقيت المقاومة حاضرة في كل الحضارات والشعوب التي واجهت الظلم عبر التاريخ.

 

قد تتعرض المقاومة للخسائر، وقد تمر بمراحل صعبة ومعقدة، لكن بقاءها واستمرارها في المواجهة هو بحد ذاته شكل من أشكال الانتصار، لأن الاستسلام الكامل يعني سقوط حق الإنسان في الدفاع عن نفسه وعن وطنه. والحروب، بطبيعتها، ليست معادلات ثابتة، بل صولات وجولات تتبدل فيها الموازين والنتائج.

 

من هنا، فإن الدفاع عن فكرة المقاومة لا يعني تمجيد الحرب، بل التمسك بحق الشعوب في الحرية والسيادة ورفض تحويل الأوطان إلى ساحات خاضعة لإرادة الخارج. فالأمم التي تفقد إرادة المقاومة، تفقد تدريجياً قدرتها على حماية وجودها وهويتها ومستقبلها.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى