سياسةصحفمحليات لبنانية

إسرائيل تخطّط لموجة اغتيالات كبيرة في لبنان وإيران (إبراهيم الأمين)

 

الحوارنيوز – صحافة

 

تحت هذا العنوان كتب إبراهيم الأمين في صحيفة الأخبار:

 

عَود على بدء!
هي القاعدة الفعلية التي يبدو أن القائمين على القرار، في إيران كما في لبنان، ينطلقون منها اليوم. فالإدارة الأميركية لا تزال ترفض التعامل بواقعية مع حقيقة أن القوة لا تحقّق دائماً النتائج المرجوّة في كل الأماكن. وجولتا الحرب مع إيران في حزيران 2025 وآذار 2026 لم تحقّقا أهدافهما الأساسية: فلا مؤشّرات على تصدّع في بنية النظام الحاكم، ولا فوضى شاملة تعيشها البلاد. أمّا في لبنان، فتسير الأمور في اتجاه يعيد إحياء ليس فقط فكرة المقاومة، بل أدواتها أيضاً. وبات من الممكن التفكير بأن جهات جديدة ستنضم مع الوقت إلى هذا الخيار.

في المقابل، تستعدّ إسرائيل أساساً لمواصلة حروبها المفتوحة منذ ثلاثين شهراً. وهي تريد أن تجرّب حظها من جديد في قطاع غزة، وهدفها هذه المرة دفع السكان بالقوة إلى الخروج من القطاع، أو حشر نحو مليوني فلسطيني داخل شريط ساحلي لا يتجاوز عمقه ثلاثة كيلومترات، بالتوازي مع توسيع عمليات التهجير في الضفة الغربية ورفع مستوى الاستيطان.

أمّا في سوريا، فتبدو إسرائيل في طور التحضير لتوسيع نطاق نفوذها وسيطرتها في الجنوب السوري. وهي تعتقد أن الظروف الحالية تمنحها فرصة لتحقيق تحوّل ميداني كبير، يتيح لها تحويل الجبهة الشمالية، الممتدّة بين بلدين، إلى مساحة أمنية واحدة تخضع عملياً لسيطرة قواتها، مع الإبقاء على السكان الذين يريدون إقامة أفضل العلاقات معها.

صحيح أن الاستخبارات الإسرائيلية أظهرت تفوّقاً كبيراً خلال العقد الأخير، ونجحت في تنفيذ عمليات واسعة في مختلف أنحاء المنطقة، وقتلت عدداً كبيراً من القادة والكوادر والمقاتلين والمسؤولين الحكوميين والتنظيميين، سواء في غزة والضفة الغربية أو في لبنان وإيران. إلا أن هذا التفوّق الاستخباري لا يقدّم للقيادة السياسية الإسرائيلية جواباً حاسماً عن «اليوم التالي». فكل ما تتباهى به هذه الأجهزة أنها أنجزت المهمة التمهيدية، فيما تُلقي بمسؤولية الإخفاقات اللاحقة على مستويات أخرى من الحكومة والجيش إلى الحلفاء. واليوم، تعمل الاستخبارات الإسرائيلية، بمختلف أذرعها، ضمن خطة أوسع تستهدف محور المقاومة بأكمله.

في إيران، لا توجد حتى الآن مؤشرات جدية إلى اقتراب نهاية الحرب. فالقيادة الإيرانية لا ترى نفسها مضطرّة إلى تقديم تنازلات جوهرية، بل تعتبر أن نتائج المواجهة حتى الآن تسمح لها بالتمسّك بثوابتها المرتبطة باستقرارها السياسي والأمني والاقتصادي. وعندما تناقش طهران الولايات المتحدة في أي مشروع تسوية، فإنها لا تنظر إلى الأمر باعتباره أكثر من اتفاق لإنهاء حالة الحرب، وتقديم ضمانات إضافية لواشنطن بشأن عدم سعي طهران إلى امتلاك سلاح نووي، ولو أن الايرانيين، يقولون إن أيّ تفاهم مُحتمل حول البرنامج النووي لن يختلف كثيراً عمّا تمّ التوصل إليه في المفاوضات السابقة للحرب.

في الولايات المتحدة، بات من الضروري الأخذ في الاعتبار وجود مشكلة شخصية لدى الرئيس دونالد ترامب. فكل المؤشرات والمعطيات التي تؤكد وجود قرار تصنعه مؤسّسات أميركية عريقة، لم تعد كافية لاعتبارها العنصر الحاكم الوحيد لسياسات الإدارة. وكثير من الوسطاء والموفدين العاملين في المنطقة صاروا يخصّصون وقتاً طويلاً لشرح أثر المزاج الشخصي لترامب وطريقة تفكيره في القرارات التي يتخذها. وعندما خرج مبعوثه ستيف ويتكوف، قبل الحرب، متحدّثاً عن أن ترامب «مصدوم لأن إيران لم تستسلم»، كان في الواقع يعكس نمط تفكير الرئيس الأميركي. وهذه الذهنية لا تزال حاضرة اليوم في مقاربته للملف الإيراني. ويقول دبلوماسيون التقوا ترامب أو عملوا مع فريقه إن على الجميع أن يأخذوا في الاعتبار أن الرجل يقيس الأمور بطريقة مختلفة، وإنه ليس مهتماً بفهم الخصائص السياسية والاجتماعية لشعوب ودول المنطقة، ويعرف أمراً واحداً عليه حمايته: أمن إسرائيل.

يبدو أن مهمة إقناع ترامب بعدم جدوى الحرب ليست سهلة على أحد، بينما ترى إسرائيل في تجدّدها فرصة جديدة لتحقيق ما تقول إنه ضروري لمستقبلها 

كل ذلك يجعل من المنطقي توقّع ذهاب ترامب إلى جولة حرب جديدة إذا اقتنع، داخلياً أو عبر حلفائه، بأن موجة قتال إضافية قد تفرض تنازلات على إيران. وفي هذه الحالة، لا يعود القرار محكوماً فقط بما تراه المؤسسات الأميركية، بل يدخل العامل الإسرائيلي بقوة، ليس لأن الكيان شريك مباشر في الحرب فحسب، بل لأنه يمتلك، في نظر واشنطن، ما يضيفه إلى التصوّرات العسكرية والأمنية الأميركية، خصوصاً أن المهنيين في واشنطن يُقِرّون بأن فشل التقديرات السياسية الإسرائيلية، لا يعني أن الأداء العملياتي والعسكري كان فاشلاً. بل يجري الحديث عن أن مستوى الدقّة الذي أظهرته إسرائيل في عملياتها ضد إيران فاق، في بعض الجوانب، دقّة الأداء الأميركي نفسه، وهو ما يدفع القادة العسكريين الأميركيين إلى الإصغاء باهتمام كبير إلى نظرائهم الإسرائيليين.

عند هذه النقطة تحديداً، تبدأ المشكلة الكبرى، لأن ما يريده ترامب اليوم لا يتطابق بالكامل مع ما تريده إسرائيل. فالرئيس الأميركي لا يبدو معنياً كثيراً بشكل النظام الإيراني أو بشخوصه، بقدر اهتمامه بسلوك هذا النظام وسياساته. وإذا حصل، وفق تصوّره، على مستوى كافٍ من التعاون والضمانات، فلن يكون معنياً بالضرورة بإضعاف النظام إلى حدّ إسقاطه.

أمّا إسرائيل، التي تدرك هذه الحقيقة جيداً، فقد تمنح واشنطن موافقتها على هذا التصوّر، لكنها، خلال مراحل التنفيذ، تعتمد عملياً سياسة تقوم على تدمير الدولة الإيرانية وإضعافها بصورة منهجية. وفي هذه النقطة تحديداً، لا يهمّ إسرائيل كثيراً من يحكم إيران، حتى لو كان سلوكه السياسي منسجماً مع الرؤية الأميركية. ما يهمّها هو أن تتحوّل إيران إلى بلد مُدمّر ومُمزّق وضعيف وغير مؤثِّر. ولهذا تبدو إسرائيل شديدة الحماسة لتوجيه ضربات قاسية وواسعة ضد إيران في أي جولة مقبلة، انطلاقاً من عقيدة تقوم على استخدام القوة الشاملة، وهي الفكرة التي تجد صدى داخل عقل ترامب السياسي. وبالتالي، فإن إسرائيل تفكر بخطط تخصّها هي، لا يمكن للولايات المتحدة الاعتراض عليها، أو يمكن تمريرها بسهولة تحت غطاء حرب واسعة ومفتوحة.

في التقديرات العملانية، يبدو أنّ العدو الإسرائيلي يتصرّف بواقعية مع جبهة لبنان، باعتبارها جزءاً من الحرب المفتوحة ضد إيران. ولذلك يبدو في عجلة من أمره لتوجيه ضربات متزامنة ضد إيران ولبنان، ضمن مسارات متعدّدة:

أولاً: تنفيذ حملة اغتيالات واسعة ضد ما تعتبره إسرائيل أهدافاً حيوية، سواء كانت شخصيات معروفة أو أسماء لا يجري تداولها إعلامياً، وسواء كانت عسكرية منخرطة مباشرة في الحرب، أو مدنية تعمل ضمن مؤسسات حزب الله والدولة الإيرانية.

ثانياً: إحياء سياسة الاستعراض عبر عمليات ضخمة ومفاجئة، يضعها العدو في خانة الرسائل العسكرية والنفسية معاً. وهو ما فعله خلال هذه الحرب عندما شنّ، في اليوم التالي لوقف إطلاق النار مع إيران، حملة جوية واسعة على لبنان استهدفت نحو مئة مبنى خلال عشر دقائق فقط، وقدّم لاحقاً رواية زعم فيها أن العملية جاءت نتيجة جهد استخباراتي مكثّف أتاح تحديد أماكن وجود مئات العناصر المؤثّرين في حزب الله.

وروّج الإعلام الإسرائيلي لسردية تتحدّث عن «استهداف دقيق» لأكثر من 300 كادر وقيادي في الحزب. لكن من قدّموا هذه السردية لم يعودوا لاحقاً إلى مناقشة النتائج الفعلية للعملية، رغم أنّ العدوان أثار ردود فعل دولية واسعة، وصولاً إلى تدخّل ترامب شخصياً والطلب من نتنياهو وقف استهداف بيروت والضاحية الجنوبية.

ثالثاً: توجيه ضربات إلى مراكز إنتاج الطاقة في إيران، بما يشمل المنشآت النفطية، ومحطات إنتاج الكهرباء، وخطوط نقلها في المدن الكبرى، إضافة إلى تعطيل العمل في حقول الغاز وتدمير بنى تحتية مرتبطة بالخدمات العامة. وبحسب الرؤية الإسرائيلية، فإنّ مثل هذه الضربات ستفرض على إيران كلفة مالية هائلة ووقتاً طويلاً لإعادة الإعمار، بالتزامن مع محاولة دفع البلاد نحو موجة احتجاجات داخلية، تقول إسرائيل إنها تعمل عليها بالتعاون مع إيرانيين ومع دول مجاورة لإيران، كالإمارات وإقليم كردستان العراقي.

رابعاً: تنفيذ ضربات جنونية بأسلحة فتّاكة ضد ما تعتبره إسرائيل مراكز للصناعات العسكرية أو مُنشآت لتخزين الإنتاج الصاروخي، إضافة إلى مقارّ القوات العسكرية والأجهزة الأمنية والبنى التحتية التابعة لها، وصولاً إلى مراكز الأبحاث العلمية التي تعتبرها إسرائيل ضمن البنية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية.

خامساً: تنفيذ عمل استعراضي ضخم بمشاركة أميركية – إسرائيلية يستهدف موقعاً حساساً داخل إيران، عبر عمليات برية تنفّذها قوات خاصة تحت غطاء ناري كثيف، لتحقيق أهداف تتصل بالبرنامج النووي أو حتى تنفيذ عمليات خطف لشخصيات إيرانية بارزة.

هذه التصوّرات، في الحسابات العسكرية، ليست ضرباً من الخيال. وبحسب ما يجري تداوله، فإنّ الإيرانيين يدركون أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل قد تتجهان إلى حملة أكثر قساوة من تلك التي سبقت وقف إطلاق النار. وفي المقابل، تشير المعطيات إلى أنّ إيران تستعدّ لكل هذه الاحتمالات، مع استعداد لخيارات رد أوسع وأكثر مباشرة، سواء داخل الكيان المحتل أو ضد الأصول الأميركية في المنطقة، بما يشمل قطاعات حيوية وبنى مرتبطة بالمشروع الأميركي في عدد كبير من دول الإقليم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى