رأي

المفاوض الإيراني واستلهام رؤية الإمام الخميني في العلاقة مع الولايات المتحدة (أحمد حوماني)

 

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

يتعجب الكثيرون من صمود الجمهورية الإسلامية في إيران السياسي والاقتصادي والأمني رغم كل ما تعرضت له خلال ما يزيد على أربعين سنة، ويتفاجأ الكثيرون من قادة دول العالم وساستها من وقوفها بوجه أقوى قوة في العالم في الزمن الحالي وهي الولايات المتحدة الأمريكية، سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد العسكري في الحرب التي شنتها عليها مع الكيان الصهيوني خلال الأربعين يومًا الماضية، فقد كان أكثر المتفائلين يُقدّر سقوطها قبل انقضاء الأسبوع الأول من الحرب، والأمريكيون أنفسهم اعتبروا أنها ستسقط خلال يومين أو ثلاثة على أبعد تقدير، لذا بدأوا الحرب صباح يوم السبت لتستمر الضربات يومي السبت والأحد حتى ظهر الإثنين – صباح الإثنين في الولايات المتحدة الأمريكية- أي قبل أن تفتح البورصات فيها وفي كثير من دول العالم، لكن حسابات الحقل عندهم لم تتطابق مع حسابات بيدر الجمهورية الإسلامية في إيران، فقد ردّت إيران منذ صباح يوم السبت مباشرة، وامتصّت القيادة الإيرانية الضربات الموجعة خصوصًا تلك التي طالت قيادات الصف الأول والثاني، وعلى رأسهم قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام السيد علي الخامنئي (قدس)، فقد كان متوقعًا انهيار النظام السياسي قبل العسكري في تلك اللحظات الأولى للحرب، وبالتالي سقوط النظام ككل، لكن ذلك لم يحدث.

يُرجع بعض المحللين والسياسيين ذلك إلى عدم تجاوب الشعب الإيراني مع الدعوات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، للثورة على السلطة الحاكمة في إيران، وإنشاء سلطة بديلة مدعومة من أمريكا والكيان الصهيوني، وهذا الأمر صحيح بنسبة كبيرة، إذ إن الشعب الإيراني بأغلبه لم يتجاوب مع تلك الدعوات، بل نزل إلى الشارع لتأييد قادة دولته ونظامها، كما يُرجع البعض منهم عدم انهيار النظام في إيران إلى أنّ الأكراد في شمال العراق كان يجب أن يدخلوا إلى الشمال الإيراني، واحتلال جزء منه، ليكون مقرًا وممرًا للقضاء على النظام، أو على الأقل إيجاد منطقة في إيران غير خاضعة للسلطة المركزية مع ما يُصاحب ذلك من دعم عسكري ومالي وإعلامي للتحريض على النظام وقادته، وهذا أيضًا صحيح بنسبة كبيرة، لكن هذه هي أسباب ثانوية أمام السبب الرئيسي لهذا الصمود للنظام الحاكم وقادته، والتفاف الشعب من حولهم. إن السبب الأساسي لهذا الصمود هو نفس تركيبة هذا النظام التي أرسى ركائزها الإمام روح الله الموسوي الخميني قبل ما يقارب نصف قرن.

لم يكن الإمام الخميني مرجعية دينية فحسب، لقد كان زعيمًا سياسيًا بكل ما للكلمة من معنى، زعيمًا محنكًا، وقائدًا فذًا، استطاع شحذ همة الشعب الإيراني ليثور ضد أقوى نظام حكم ملكي في ذلك الوقت، وهو نظام الشاهنشاه (ملك الملوك) محمد رضا بهلوي الذي كان يُطلق عليه شرطي الخليج، وكان قادة وملوك وأمراء الخليج يأتون إليه صاغرين مذعنين، يطلبون رضاه ويتجنبون سخطه وغضبه. لقد استطاع الإمام الخميني سحق مملكة هذا الشاه، وإخراجه ذليلًا من إيران، وأسس على أنقاض ملكه جمهورية إسلامية تؤمن بمبدأ ولاية الفقيه في الحكم وإدارة شؤون الدولة، وترسم خطها السياسي بعيدًا عن قطبي العالم في ذلك الوقت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، تحت شعار (لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية).

منذ بدايات تحركه ضد نظام الشاه صوب الإمام الخميني السهام نحو الولايات المتحدة الأمريكية، فهو يعرف أنها كانت وراء الانقلاب على حكومة محمد مصدق الوطنية في العام 1953 – الرجل الذي قاد إيران للتخلص من الهيمنة البريطانية على النفط الإيراني، وشكّل خطرًا داهمًا على سلطة الشاه محمد رضا خان، ولما أُطيح به لولا الدعم والمساندة التي لقيها الشاه واستخباراته وجيشه من الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الإرهاصات الوطنية عايشها الإمام الخميني في بدايات نشاطه العلمي والسياسي، وأيقن أن بقاء الحكم البهلوي الظالم في إيران هو نتيجة دعم الاستخبارات الأمريكية له، لذا ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادته رسّخ في ذاكرة الشعب الإيراني أن سبب كل بلاءات إيران هي الولايات المتحدة الأمريكية (إن كل مصائبنا هي من أمريكا)، وقال كلمته المشهورة التي تردد صداها في أنحاء العالم (أمريكا الشيطان الأكبر)، وحتى اليوم ما زال السياسيون في إيران والغرب يذكرون هذا القول عند الحديث عن الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ولم يترك الإمام الخميني مناسبة إلا وتعرض فيها للسياسات الأمريكية الظالمة بحق الشعوب الإسلامية عامة والشعب الإيراني خاصة، واليوم يسير القادة السياسيون في إيران على وقع كلماته في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية (إذا رضيت عنكم أمريكا فاعلموا أنكم على خطأ، وإذا رضيتم على أمريكا فاعلموا أنكم خونة)، وهذا لسان حال الشعب الإيراني اليوم الذي شاهد بأم العين العدوان الأمريكي العسكري على بلاده، ومحاولة إذلال إيران في الطلبات السياسية التي يُريدها، فقد عادت الجدران في شوارع إيران لتتزين بشعار (مارك بر أمريكا)، أي الموت لأمريكا الذي رفعه الإمام الخميني منذ حوالي خمسين عامًا، وما زال تحذير الإمام الخميني من الولايات المتحدة الأمريكية يطرق آذان رجال الدين والسياسة والحكم في إيران (اعلموا أنكم تواجهون إحدى القوى الاستخبارية التي إن غفلتم عنها لحظة واحدة، فإنها ستبيدكم وتقضي على بلدكم).

لا شك أن الإمام الخامنئي (قدس) قد استمدّ قوته في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية من مواقف وكلمات الإمام الخميني أيضًا، وإن صاغ مضمونها بكلمات مختلفة، لكن الهدف واحد، كان وما زال عدم الوثوق بالسياسات الأمريكية، وعدم الركون إليها، والتنبيه من مخاطرها وغدرها، (فلو قالت أمريكا: أشهد أن لا إله إلا الله لما صدقناها)، كما قال الإمام الخميني.

إن المفاوضين الإيرانيين اليوم يتكئون على إرث فكري صلب في مواجهة العدوان الأمريكي – الصهيوني، أسس له الإمام الخميني (قدس)، وحفظه الإمام الخامنئي من بعده، والتزمت به قيادة الثورة الإسلامية في إيران، لذا لا خوف عليهم، ففريق المفاوضات، كما الفرق العسكرية المختلفة، حفظت عن ظهر قلب كلمات الإمام الخميني، فزادتهم صلابةً وإصرارًا وعزمًا للحفاظ على عزة الجمهورية الإسلامية في إيران وقوتها ومنعتها واقتدارها.

لقد أثبتت الحرب الأمريكية الصهيونية على الجمهورية الإسلامية صحة رؤية الإمام الخميني لأمريكا، وأعادت إشعال نار الكره والحقد عليها من جديد في مختلف أنحاء العالم، وكذّبت الادعاءات بأن أمريكا هي راعية الديمقراطية والحرية في العالم، بل هي كما قال الإمام الخميني: الشيطان الأكبر في هذا العالم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى