رأي

*حين تُشوَّهُ الكلمات… تُشوَّهُ القضايا: اعتداء وليس نزاعا!(زينب إسماعيل)

 

 

زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

ليست الكلماتُ مجرّدَ تعابيرَ عابرة، ولا اللغةُ تفصيلًا يمكن تجاهله في القضايا الوطنية الكبرى، لأنّ التسمية بحدّ ذاتها موقف، والمفردات تكشفُ ما يختبئ في الداخل من قناعةٍ أو انتماءٍ أو حتى استعدادٍ للتنازل. فحين يُقال عن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان إنّها “نزاع”، يصبح السؤال مشروعًا: أيُّ نزاعٍ هذا؟ وهل يمكن مساواة المعتدي بالمعتدى عليه؟ وهل يصبح الدفاع عن الأرض مجرّدَ “خلاف” بين طرفين متكافئين؟

في القانون والواقع والتاريخ، لبنان ليس دولةً معتدية، ولم يكن يومًا صاحبَ مشروعٍ توسّعيٍّ أو احتلاليٍّ تجاه فلسطين المحتلة. لم يذهب اللبنانيون لاحتلال أرض أحد، ولم يُعرف عنهم أنهم سعوا لاقتلاع شعبٍ من أرضه أو فرض سيطرةٍ استعمارية على الآخرين. أمّا إسرائيل، فمنذ نشأتها، قامت على الاحتلال والتوسّع والقوة العسكرية، واعتدت مرارًا على الأراضي اللبنانية، من الاجتياحات المتكرّرة إلى القصف والتدمير والاغتيالات واحتلال أجزاء من الجنوب اللبناني لعقود طويلة.

لذلك، فإنّ توصيف ما يجري على أنّه “نزاع” يُفرغ الحقيقة من معناها، لأنّ النزاع يوحي بوجود خصمين يتنازعان على حقٍّ متساوٍ، بينما الحقيقة أنّ هناك معتديًا يحتلّ أرضًا ليست له، وشعبًا يدافع عن أرضه وكرامته وسيادته. الفرق شاسع بين من يحمل مشروعَ احتلال، ومن يحمل حقَّ الدفاع.

وحين يسيطر الاحتلال الإسرائيلي على منطقةٍ جنوبية، يخرج بعضهم ليقول: “أصبحت لهم”. وكأنّ الأرض تتحوّل بالاحتلال إلى ملكيةٍ شرعية للمحتل، وكأنّ الدبابة تمنح الحق، وكأنّ القوة تُسقط الانتماء والتاريخ والهوية. لكنّ الأرض لا تصبح للمحتل لمجرّد أنّه دخلها بالنار والحديد. الاحتلال احتلال، مهما طال الزمن، ومهما حاول البعض تطبيع المفردات أو تليينها.

الجنوب اللبناني ليس أرضًا متروكةً للبيع أو المقايضة السياسية، وليس بندًا تفاوضيًا يمكن شطبه على طاولة المصالح. هو أرضٌ ارتوت بدماء أهلها، وبصمود ناسها، وبوجع القرى التي دفعت أثمانًا باهظة كي تبقى لبنانية الهوية والانتماء. ومن يعرف تاريخ الجنوب، يعرف أنّ الاحتلال الإسرائيلي لم ينسحب يومًا “هدية”، بل تحت ضغط المقاومة والتضحيات. لذلك، فإنّ وجود مقاومة تدافع عن الأرض ليس تفصيلًا طارئًا، بل تعبيرٌ طبيعي عن رفض الاحتلال وعن تمسّك الناس بحقّهم بأرضهم.

ولا عتب فعلًا على المواطن البسيط إن استعمل أحيانًا مصطلحاتٍ خاطئة، لأنّ كثيرين يتأثرون بالإعلام والخطاب السياسي السائد، وقد لا ينتبهون إلى خطورة المفردات وما تحمله من أبعادٍ سياسية ووطنية. لكنّ الخطورة الكبرى حين تصدر هذه التعابير عن مسؤولين ورجالات دولة يُفترض أنّهم يعرفون معنى السيادة والمواطنة والاحتلال. فالمسؤول الذي يصف الاحتلال بالنزاع، أو يتعامل مع الأرض وكأنّها “منطقة متنازع عليها”، إنّما يساهم تدريجيًا في تمييع الحق الوطني وتحويل القضية من قضية احتلال إلى مجرّد ملفّ سياسي قابل للأخذ والرد.

وهنا يصبح الخوف مشروعًا: هل هو جهلٌ بالمفاهيم الوطنية؟ أم تمهيدٌ نفسي وسياسي لفكرة التنازل؟ لأنّ اللغة ليست بريئة، والتاريخ أثبت أنّ التنازلات الكبرى تبدأ غالبًا بتبديل المصطلحات. فحين يُصبح الاحتلال “نزاعًا”، والمقاومة “مشكلة”، والسيادة “وجهة نظر”، يصبح بيع الأرض أسهل من الدفاع عنها.

الوطنية ليست خطاباتٍ موسمية، ولا صورًا وشعارات. الوطنية موقفٌ واضح من الأرض والسيادة والعدالة. والمواطنة الحقيقية لا تعني الحياد بين المحتل وصاحب الأرض، بل تعني الانحياز لوطنك حين يُعتدى عليه، والتمسّك بحقّه الكامل غير القابل للتفاوض أو التجميل اللغوي.

قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد تتباين رؤاهم حول كثيرٍ من القضايا الداخلية، لكنّ الأرض يجب ألّا تكون موضعَ مساومة، لأنّ الأوطان التي تُفرَّط مفرداتها، تُفرَّط حدودها لاحقًا. وحين تُشوَّه الكلمات، تُشوَّه القضايا، ويصبح الاحتلال قابلًا للتبرير، بدل أن يبقى جريمةً واضحةً في الوعي والضمير والتاريخ.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى