
الحوارنيوز – صحافة
كتبت لينا بعلبكي في صحيفة الأخبار:

بينما تراهن واشنطن على «انهيار هيكلي» وشيك لمنظومة الطاقة الإيرانية تحت وطأة الحصار البحري، يكاد يجمع خبراء دوليون على أن طهران تمتلك مرونة تقنية كافية لامتصاص الصدمة، مؤكدين أن سيناريوهات «الانفجار» لخطوط الأنابيب هي مجرد «خيال علمي».
فبعد مرور أكثر من أسبوع على توقّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، «انفجاراً» وشيكاً في خطوط أنابيب النفط الإيرانية نتيجة الحصار البحري المفروض على موانئ إيران، يبدو الواقع على الأرض معاكساً تماماً لمزاعم ترامب وطموحاته، إذ بينما راهن ساكن البيت الأبيض على «انهيار ذاتي» للبنية التحتية النفطية في إيران، يحمل الأخيرة على الرضوخ للشروط الأميركية، يؤكّد الخبراء، ومن بينهم الأميركيون، أن الجمهورية الإسلامية تمتلك من المرونة ما يكفي لامتصاص صدمة الحصار. وكان سخر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، مع انقضاء الأيام الثلاثة التي توقّع ترامب أن يحصل عقبها هذا الانهيار، من الرئيس الأميركي، مشيراً إلى أن «الأيام الثلاثة انقضت ولم تنفجر أيّ بئر»، واضعاً هذه الادّعاءات في سياق النصائح «العبثية» التي تتلقّاها الإدارة من أشخاص من مثل وزير الخزانة سكوت بيسنت، والتي ساهمت، بحسبه، في رفع أسعار النفط إلى نحو عتبة الـ120 دولاراً (وقتذاك)، مع آفاق مفتوحة للوصول إلى 140 دولاراً. وسبق أن أعلن بينست أن مسؤولي قطاع الطاقة حثّوا، خلال اجتماع عُقد في البيت الأبيض، «الإدارة على مواصلة الحصار»، لافتين إلى أن «صناعة النفط الإيرانية المتآكلة بدأت تتوقف تدريجياً بفضل الحصار الأميركي. وسيؤدّي الضخ قريباً إلى الانهيار». وجاء ذلك على الرغم من أن النتيجة الملموسة الوحيدة حتى الآن هي بقاء قطاع الطاقة الإيراني صامداً – في مقابل قفزات في أسعار النفط العالمية ناجمة عن الحصار على الممرّ المائي الذي تعبره 20% من إمدادات الطاقة في العالم -، الأمر الذي ألجأ ترامب، أخيراً، إلى الإعلان عن عملية لـ«تحرير» السفن العالقة في مضيق هرمز.
تقنياً: لا «انفجارات» في الأفق
على الرغم من أن السفن الإيرانية أصبحت غير قادرة على الإبحار إلى الخارج، منذ بدء الحصار الأميركي في 13 نيسان الماضي، يكاد يُجمِع خبراء الطاقة على أن سيناريو «الانفجار الذاتي» للبنية التحتية هو مجرّد «خيال علمي». وبحسب تحليل لـ«مركز سياسة الطاقة العالمية» في «جامعة كولومبيا»، فإن حتى في حال نفاد أماكن تخزين النفط لدى إيران، فإن ذلك «لن يسبّب ضرراً كارثياً، أو حتى خطيراً جداً» لقطاعها النفطي؛ إذ إن أقصى ما قد يواجهه هذا القطاع، لدى امتلاء الخزانات، هو «الإغلاق المؤقّت» (shut-in)، والذي من الممكن أن يتسبّب، في بعض الأحيان، بـ«تلوّث الخزان النفطي بالمياه والغاز» – نتيجة «تغلغل» الاحتياطات في المكامن -، ما «يجعل استخراج النفط لاحقاً أكثر صعوبة أو في بعض الحالات مستحيلاً».
وفي الإطار نفسه، تنفي روزماري كيليانك، الباحثة في شؤون الطاقة ومديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز «ديفينس بريوريتيز»، في حديثها إلى صحيفة «واشنطن بوست»، صحّة ادّعاءات ترامب، قائلةً: «لا تعمل الأمور هكذا.. لا شيء ينهار ذاتياً»، في حين يؤكّد مارك فينلي، الباحث في شؤون الطاقة والنفط العالمي في «معهد بيكر»، أن طهران أثبتت خبرة واسعة في إبقاء نظامها «قيد التشغيل» تحت أقسى الظروف، مبيّناً أنه مع إغلاق المضيق يمكن لإيران تحويل ناقلات النفط الفارغة إلى «مخازن عائمة». ويضيف أنه حتى في حال عدم توافر هذه الأخيرة أو امتلائها، «هناك شبكة تكرير وتوزيع محلية يمكنها الإبقاء على النظام قيد العمل ولو بوتيرة أقلّ».
وبالفعل، أظهرت بيانات الشحن الصادرة عن موقع «TankerTrackers»، أخيراً، أن هناك ما يكفي من ناقلات النفط الفارغة داخل نطاق الحصار الأميركي لتخزين نحو 45 مليون برميل من النفط الإيراني، أي ما يعادل مخزون ستة أسابيع من متوسط الصادرات الإيرانية. كما تمتلك إيران، بحسب شركة التحليلات الطاقوية «Kpler»، ملايين البراميل من سعة التخزين غير المُستخدمة داخل البلاد. علاوةً على ذلك، قد تتمكّن طهران، بحسب خبراء «مركز سياسة الطاقة العالمية»، من تصدير كميات محدودة عبر ناقلات بحرية تتجنّب الحصار الأميركي، إضافة إلى كميات تُنقل برّاً عبر الشاحنات والسكك الحديدية، علماً أن إيران تمتلك حدوداً برية مع 7 دول، هي: العراق وتركيا وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان وأفغانستان وباكستان.
الرهان الأميركي على «الانهيار الهيكلي» لقطاع الطاقة الإيراني يبدو ساقطاً
هكذا، وعلى الرغم من تباهي وزارة الخزانة الأميركية بأن الحصار البحري يكلّف طهران «نحو 170 مليون دولار يومياً من العائدات المفقودة»، إلا أن الرهان على «الانهيار الهيكلي» يبدو ساقطاً. ذلك أن لغة الأرقام لا تزال تعكس قدرة الجمهورية الإسلامية على المناورة، رغم العدوان المستمرّ عليها منذ شباط الماضي، وصولاً إلى الحصار البحري. وبعدما رَاوح الإنتاج الإيراني من النفط الخام بين 3.2 و3.3 ملايين برميل يومياً خلال عامَي 2025 و2026 – يذهب أكثر بقليل من نصفه إلى السوق المحلية -، فهو انخفض بشكل طفيف إلى 3.06 ملايين بعد بدء العدوان. وبالإضافة إلى ما تَقدّم، تنتج إيران حوالي 1.3 مليون برميل يومياً من المُكثّفات (وهي نفط خفيف جداً) وسوائل الغاز الطبيعي المتأتّية من إنتاج الغاز الطبيعي. أمّا طاقة التكرير الإيرانية، فقد بلغت في المتوسط نحو 2.1 مليون برميل يومياً قبل الحرب، من إجمالي قدرة تبلغ 2.4 مليون برميل يومياً، في حين وصل متوسّط الاستهلاك المحلي من النفط إلى نحو مليونَي برميل يومياً.
وتعني تلك المعطيات أن نحو نصف الإنتاج مُحصّن تماماً ضدّ الحصار البحري، كون السوق الداخلية تمتصّ نحو مليونَي برميل يومياً. وبالتالي، فإن خفض الإنتاج المطلوب لتجنّب امتلاء المخزونات بالكامل – حتى في حال عدم وجود خيارات بديلة للتخزين والتصدير -، قد يصل إلى 50% من مستويات ما قبل الحرب، بحيث يُخصّص الجزء المتبقّي للتكرير والاستهلاك المحلي.
خرافة «الأضرار الكارثية»
في الوقت الذي تواصل فيه واشنطن وتل أبيب المراهنة على «تآكل» البنية التحتية للطاقة في إيران كأداة ضغط استراتيجية على المدى البعيد، تُظهِر القراءة المعمّقة لخريطة الهيدروكربونات الإيرانية واقعاً مغايراً، إذ يجادل الخبراء بأن إيران، التي تمتلك منظومة جيولوجية وتقنية مُعقّدة، لديها من «المرونة الهيكلية» ما يجعل من عمليات الإغلاق المؤقّت وإعادة التشغيل مجرّد إجراءات روتينية، قد تتحوّل، في بعض الحالات، إلى فرصة لتعزيز الاستخلاص النهائي من المكامن العتيقة. وفيما تتوزّع مصادر الهيدروكربونات الإيرانية على أربعة قطاعات رئيسَة، لكلّ منها خصائصه الجيولوجية وتاريخه الإنتاجي، فإنه بخلاف المزاعم الغربية حول «صعوبة عودة الإنتاج»، ترتبط سهولة التحكّم في تدفّق الإنتاج، مباشرةً، بطبيعة هذه الحقول. والواقع أن ما يميّز «القلعة النفطية» الإيرانية، وفقاً للخبراء، هو خلوّها من التعقيدات الجيولوجية التي تجعل إعادة التشغيل كابوساً على غرار ما يحصل في دول أخرى؛ فلا هي تعاني من صقيع سيبيريا، ولا من ثقل نفط فنزويلا وكندا، ولا من طبيعة النفط الشمعية في شرق أفريقيا، ولا من تعقيدات النفط الصخري الأميركي الذي يعتمد على التكسير الهيدروليكي. على أن الاستثناء الوحيد يكمن في بعض الآبار الهامشية ذات المحتوى المائي المرتفع جداً (أي التي تنتج كميات كبيرة من الماء مع النفط)، أو ذات الضغط المكمني المنخفض، أو الآبار القديمة جداً التي تعاني أعطالاً ميكانيكية؛ وكلّها لا تشكل سوى «نسبة ضئيلة» من إجمالي القدرة الإنتاجية، وفقاً للخبراء.
وفي ظلّ الضغوط الراهنة، يرجّح الخبراء أن تعتمد إيران استراتيجية مفاضلة دقيقة، بحيث تُعطي الأولوية لخفض الإنتاج في الحقول التي لا تسبّب مشاكل تقنية كبرى عند إعادة التشغيل. وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات التقنية، وما تدعمه دوريات متخصّصة من مثل «Journal of Petroleum Technology»، أن الحقول التقليدية في منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها إيران، لا تواجه مخاوف تقنية جدّية عند «الإغلاق المؤقت»، وهو ما يثبته التاريخ القريب الذي يشهد على تعافي الإنتاج الإيراني بسرعة قياسية بعد اتفاق 2016 النووي، وتكرار السيناريو نفسه بعد جائحة «كوفيد» في عام 2023.
في المحصّلة، تتقاطع غالبية التحليلات عند نتيجة واحدة، هي أن الحصار الأميركي على الصادرات لن يسبّب أضراراً كارثية أو «قاتلة» لقطاع الإنتاج في المنبع (Upstream). وفيما تشير التقديرات إلى أنه في لحظة تخفيف القيود أو رفعها، تمتلك إيران القدرة على استعادة نحو 70% من مستويات إنتاجها السابقة «فوراً»، مع إمكانية استرداد كامل طاقتها الإنتاجية في غضون أشهر قليلة، فإن الجمهورية الإسلامية التي اعتادت العيش في «اقتصاد الحرب» لعقود، تبدو اليوم أكثر استعداداً لإدارة معركة الاستنزاف هذه ضدّ أعدائها، في انتظار انكسار حلقة الحصار عند «هرمز»، والتي باتت تؤرّق الولايات المتحدة نفسها، والعالم بأسره.
ميزات حقول النفط الإيرانية
يؤكد خبراء في قطاع الطاقة أن الواقع الجيولوجي والتقني لـ«القلعة النفطية» الإيرانية يمنح الجمهورية الإسلامية «مرونة هيكلية» عالية في إدارة حقولها، تحول دون أن يُسبّب أيّ اضطرار لخفض الإنتاج أضراراً «كارثية» لقطاع النفط. ويوضح هؤلاء أن عمليات الإغلاق المؤقت وإعادة التشغيل لاحقاً تُصنّف – في ظلّ ما يتيحه ذلك الواقع من ميزات، فضلاً عن خبرة عقود في مواجهة الحصار – كإجراءات روتينية، قد تتحوّل في سياقات معينة إلى فرصة تقنية لتعزيز مستويات الاستخلاص النهائي من المكامن المتقادمة. ويمكن إجمال ما يورده الخبراء في هذا الإطار، في الآتي:
خوزستان
تتركز «القوة الضاربة» للنفط الإيراني في إقليم خوزستان ومناطق جبال زاغروس، حيث الحقول العملاقة من مثل غچساران، وآغاجاري، ومارون، والأهواز. وتنتج هذه المنطقة وحدها نحو 2.2 مليون برميل يومياً، غالبيتها من تكوين «أسماري» الكربوني. على أن المفارقة هنا أن «آلية الاستخلاص الطبيعي» في تلك الحقول، والمعتمدة على تصريف النفط بفعل الجاذبية، قد تستفيد فعلياً من فترات التوقف؛ إذ تسمح هذه الفترات بتصريف كميات أكبر من النفط من المصفوفة الصخرية نحو الشقوق، مما قد يؤدي عند استئناف العمل إلى مستويات استخلاص أعلى.
غرب كارون
على الحدود مع العراق، تقع منطقة «غرب كارون» (حقول آزادكان ويادآوران وياران)، التي تصنّف كدُرّة تاج إيرانية بطاقة تصل إلى 500 ألف برميل يومياً، وطموحات تلامس المليون برميل. ويعدّ استئناف الإنتاج هناك عمليةً شبيهةً بما يجريه العراق دورياً للالتزام بقرارات «أوبك+» – أي تقليص الإنتاج ثمّ استئنافه في حقول من مثل حقل «مجنون»، الملاصق تقريباً لحقل «آزادغان» الإيراني -، من دون آثار سلبية واضحة، علماً أن إيران نجحت بالفعل في تركيب مضخات غاطسة كهربائية مصنّعة محلياً في «آزادغان». أمّا في مياهها الإقليمية قبالة الخليج، فتنتج إيران نحو 500 ألف برميل يومياً. ورغم أن جزءاً من هذا الإنتاج خارج الخدمة حالياً نتيجة العدوان والحصار في مضيق هرمز، إلا أن هذه الحقول تمتلك مرونة تُماثل نظيراتها في السعودية والإمارات، واعتادت تاريخياً تذبذب مستويات الإنتاج.
جنوب فارس
يبقى الرهان الأكبر في محافظتَي فارس وبوشهر، حيث حقل «جنوب فارس» العملاق. إذ يواجه هذا الحقل، الذي يمثّل شريان الحياة للطاقة المحلية ولإنتاج المكثفات، تحدياً مزدوجاً: الأول تقني، يتعلّق بتراجع الضغط المكمني وحاجة إيران إلى تركيب منشآت ضغط بحرية، وهي معركة تخوضها طهران أساساً ضدّ الحصار التكنولوجي. وأما الثاني فهو أمني، ويتمثّل في عدوان آذار الماضي على منشآت المعالجة البرية، والذي تسبّب بخفض مؤقت في إنتاج المكثّفات بنحو 100 إلى 120 ألف برميل يومياً. ورغم هذه العوامل، لا تزال طهران قادرة على المناورة؛ فالتخطيط الفني الدقيق، واستخدام مثبّطات التآكل الكيميائية، والمعالجات الميكانيكية والحرارية، كلّها أدوات تمتلكها الكوادر الإيرانية بامتياز.
مأزق «السوائل» وخيارات المناورة
أمام انسداد أفق التصدير أو التخزين الكامل لكميات المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي (NGLs)، تجد طهران نفسها أمام استحقاق «الجراحة الموضعية» في قطاع الغاز. ومن شأن الاضطرار إلى خفض الإنتاج من الغاز أن يضع الإدارة الإيرانية أمام خيارات تقنين حتمية، تتوزّع بين الحفاظ على الصادرات الاستراتيجية (إلى تركيا والعراق)، وتأمين احتياجات توليد الطاقة والصناعة، وصولاً إلى متطلبات حقن الغاز في الحقول النفطية وتلبية الاستهلاك المنزلي. وفيما لا يزال فصل الشتاء – الذي يمثّل ذروة الاستهلاك المحلي للتدفئة – بعيداً بنحو ستة أشهر، فإن هذا يمنح إيران هامشاً زمنياً للمناورة، وفقاً للخبراء. ورغم أن العدوان على المصانع البتروكيميائية وحصار الصادرات أدّيا إلى تراجع تلقائي في الطلب على الغاز الصناعي، تبرز «المرونة الإيرانية» مجدداً عبر إمكانية تعويض النقص في محطّات توليد الكهرباء عبر العودة المؤقّتة إلى زيت الوقود والنفط، بما يضمن استمرار دوران العجلة الاقتصادية.



