رأي

حين يُترك الجرحى للنزف… أيّ دولةٍ تفاوض؟ (زينب إسماعيل)

 

بقلم زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

لم تكن المرّة الأولى التي تستهدف فيها إسرائيل الصحافيين،

ولا هي سابقة في استهداف الطواقم الطبية،

ولا حتى في قتل المدنيين تحت ذرائع أمنية أو عسكرية.

هذا ليس حدثًا استثنائيًا في سياق الحرب،

بل هو نمطٌ متكرّر، يعرفه الجميع، ويوثّقه التاريخ القريب والبعيد.

لكن الخطورة اليوم لا تكمن فقط في الغارة…

بل فيما كُشف بعدها.

أمل خليل، الصحافية في جريدة الأخبار، لم تُقتل لحظة القصف فقط،

بل تُركت تموت ببطء.

سبع ساعات من النزف.

سبع ساعات من الانتظار.

سبع ساعات كانت كفيلة بأن تتحوّل من مصابة يمكن إنقاذها،

إلى جثّة تصل إليها النجدة متأخرة.

في تلك الساعات، لم يكن السؤال: هل هناك إمكانية للإنقاذ؟

بل: هل هناك إذن للإنقاذ؟

دولةٌ تقف عاجزة أمام “الميكانيزم”،

تقدّم طلبًا لتتمكّن من إنقاذ مواطنة على أرضها،

وتنتظر.

تنتظر بينما الدم ينزف،

بينما الوقت يقتل،

بينما الحياة تنسحب ببطء.

هنا، لا يعود الحديث فقط عن عدوان خارجي،

بل عن خللٍ داخليٍ عميق:

حين تصبح السيادة مشروطة،

وحين يتحوّل إنقاذ الإنسان إلى إجراء بيروقراطي،

فإن الدولة لا تفقد قدرتها فقط… بل تفقد معناها.

ليس السؤال اليوم لماذا تستهدف إسرائيل الصحافيين،

فهذا جزء من حربها على السردية والحقيقة،

بل السؤال: لماذا يُترك الصحافي لينزف حتى الموت،

داخل حدود يفترض أنها محمية بدولة؟

غدًا، تُستأنف المفاوضات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل.

وهنا تصبح المأساة أكثر تعقيدًا.

كيف لدولةٍ لم تستطع إنقاذ جريحة،

أن تفاوض على حماية شعب؟

كيف لسلطةٍ تنتظر إذنًا لإدخال سيارة إسعاف،

أن تفرض شروطًا في طاولة مفاوضات؟

التفاوض ليس مجرد جلوس على طاولة،

بل هو تعبير عن توازن قوى.

ومن لا يملك القدرة على حماية مواطنيه في الميدان،

لن يمتلك القدرة على فرض شروطه في السياسة.

قد يُقال إن المفاوضات ضرورة،

وأن الواقعية السياسية تفرض التعامل مع موازين القوى.

هذا صحيح جزئيًا.

لكن الواقعية لا تعني القبول بالهشاشة،

ولا تعني تحويل الضعف إلى قدرٍ دائم.

المشكلة ليست في مبدأ التفاوض،

بل في توقيته، وفي موقع من يفاوض.

حين يأتي التفاوض فيما القصف مستمر،

والغارات مستمرة،

والاستهداف مستمر،

فإنه لا يبدو كمسار لوقف العدوان،

بل كامتداد له… بوسائل أخرى.

اتفاقات وقف إطلاق النار التي يُعلن عنها،

تبدو في هذا السياق كأنها نصوص بلا قوة،

تُكتب في الغرف المغلقة،

وتُكسر في السماء المفتوحة.

وهنا، تصبح المأساة مزدوجة:

عدوان لا يتوقف،

ودولة لا تستطيع أن تفعل أكثر من الانتظار.

أمل خليل ليست فقط ضحية غارة،

بل ضحية لحظة سياسية كاملة:

لحظة يتقاطع فيها العنف الخارجي مع العجز الداخلي،

ليُنتجا موتًا يمكن تأجيله… لكنه لم يُؤجَّل.

في النهاية، لا تختبر الدول فقط بقدرتها على خوض الحروب،

بل بقدرتها على إنقاذ حياة فرد واحد.

وحين تعجز عن ذلك،

فإن السؤال لا يعود: ماذا ستفاوض؟

بل: عمّن تفاوض أصلًا؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى