دراسةسياسة

إشكالية تعريف الإرهاب دوليا بين غياب التعريف والتوظيف السياسي(وائل أبو الحسن)

 

وائل فايز أبو الحسن – مكسيكو سيتي – الحوارتيوز

 

يشكل مفهوم الإرهاب أحد أكثر المفاهيم تعقيدا في العلاقات الدولية، بسبب غياب تعريف قانوني واضح ومتفق عليه بين دول العالم. فعلى الرغم من سنوات طويلة من النقاش داخل الأمم المتحدة، لم تنجح الدول في الوصول إلى تعريف موحد، وهو ما يعكس حجم الخلافات السياسية واختلاف الرؤى بين الدول حول هذا المفهوم.

يرتبط هذا الخلاف بطبيعة فهم العنف السياسي. فهناك من يرى أن الإرهاب هو استخدام العنف ضد المدنيين لتحقيق أهداف سياسية، بينما يرى آخرون أن هذا التعريف غير كاف، لأنه يتجاهل الظروف والسياقات، خاصة في حالات الاحتلال. وهنا تبرز مسألة مهمة، هل يمكن اعتبار مقاومة الاحتلال إرهابا، أم أنها حق مشروع ضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها؟

هذا التباين في الفهم أدى إلى تعثر الجهود الدولية لإقرار اتفاقية شاملة تعرف الإرهاب بشكل دقيق، كما أن قرارات مجلس الأمن ركزت على جوانب مثل تمويل الإرهاب والتعاون الأمني، دون حسم مسألة التعريف، مما ترك المجال مفتوحا لاستخدام المصطلح بطرق مختلفة.

في هذا السياق، تظهر مشكلة ازدواجية المعايير في التعامل مع مفهوم الإرهاب، خاصة من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية. فقد أظهرت التجارب أن تصنيف الجماعات أو الكيانات لا يعتمد فقط على طبيعة أفعالها، بل يرتبط أيضا بموقعها السياسي وعلاقتها بمصالح الدول الكبرى. فحركات توصف بالإرهاب في مكان معين، قد يتم التعامل معها في مكان آخر كقوى سياسية أو حركات تحرر، رغم تشابه الأساليب.

كما يظهر التناقض عند التعامل مع أفعال الدول. فبعض العمليات العسكرية التي تؤدي إلى مقتل عدد كبير من المدنيين لا توصف بالإرهاب، بل تقدم على أنها دفاع عن النفس أو إجراءات أمنية، مما يطرح تساؤلات مهمة، هل يتم اعتماد معايير قانونية واضحة، أم أن الأمر مرتبط بموازين القوة والمصالح السياسية؟

بعد أحداث طوفان الأقصى، أصبح هذا التناقض أكثر وضوحا. فقد سارعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توسيع استخدام مصطلح الإرهاب ليشمل أطرافا متعددة، مع تجاهل واضح للسياق السياسي والتاريخي للصراع. في المقابل، تم إضعاف النقاش حول أسباب العنف، مثل قضايا الاحتلال والحقوق السياسية، إضافة إلى تجاهل الآثار الإنسانية للعمليات العسكرية.

وإذا كان الإرهاب في أحد تعريفاته يقوم على نشر الخوف واستهداف المدنيين وتقويض الاستقرار، فإن الواقع الدولي يطرح تساؤلات أعمق، هل يمكن تجاهل ممارسات مثل احتلال الدول والاعتداء عليها وقصف المدن وتدمير المنشآت المدنية والبنية التحتية؟ هل لا تدخل أعمال القتل الواسع والتهجير القسري وتدمير المجتمعات ضمن دائرة هذا المفهوم؟ ماذا عن استهداف فرق الإسعاف والصحافيين والمنشآت الإنسانية؟ وماذا عن زعزعة استقرار الدول وتقويض أمنها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؟ أليست هذه الممارسات أقرب إلى جوهر ما يفترض أن يكون إرهابا؟

ويمتد هذا التساؤل إلى أشكال أخرى من الممارسة الدولية، مثل دعم الانقلابات أو تمويلها، وفرض الضغوط الاقتصادية القاسية، واستخدام العقوبات بما يؤدي إلى تجويع الشعوب ومنع وصول الدواء والغذاء، فقط بسبب خلافات سياسية أو رفض الخضوع لإرادة قوى أكبر. كما يبرز سؤال آخر حول السيطرة على الموارد والثروات الطبيعية وفرض الهيمنة على الممرات الاستراتيجية باستخدام القوة، وهل يمكن فصل هذه الأفعال عن منطق الإكراه والإخضاع؟

ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يتجاوز إلى استخدام القانون الدولي ذاته بشكل انتقائي، حيث يتم تفعيل المؤسسات الدولية والمحاكم في مواجهة أطراف معينة، بينما يتم تعطيلها أو تجاهلها في حالات أخرى. كما أن غياب المساءلة عن حروب واعتداءات كبرى، وعن استخدام أسلحة مدمرة أودت بحياة ملايين البشر، يطرح تساؤلات إضافية حول مصداقية النظام الدولي، وهل يمكن اعتبار هذا الانتقائية جزءا من المشكلة ذاتها؟

إن هذا المشهد يعكس بوضوح أن مفهوم الإرهاب، كما يتم تداوله وتطبيقه، لم يعد مفهوما قانونيا محايدا، بل أصبح أداة سياسية تستخدم لتبرير سياسات معينة وممارسة الضغوط وإعادة تشكيل التوازنات الدولية. وبهذا الشكل، يتم توظيفه بما يخدم مصالح محددة، وعلى رأسها المصالح الأمريكية والإسرائيلية، حيث يتم توسيع أو تضييق دائرة الاتهام وفقا للاعتبارات الاستراتيجية.

تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن غياب تعريف موحد للإرهاب ليس مجرد مشكلة قانونية، بل يعكس طبيعة النظام الدولي القائم على توازنات القوة. كما أن هذا الغموض يمنح الدول الكبرى مساحة أوسع للتحرك، ويجعل من المفهوم أداة مرنة تستخدم حسب الحاجة.

بناء على ذلك، يمكن القول إن مفهوم الإرهاب في الواقع الدولي يتأثر بشكل كبير بالسياسة. وهذا لا يعني عدم وجود أفعال يمكن اعتبارها إرهابية بوضوح، لكنه يعني أن عملية التصنيف نفسها ليست دائما موضوعية، بل تتأثر بالظروف والمصالح.

في الختام، يبقى غياب تعريف واضح للإرهاب عائقا أمام تحقيق عدالة دولية حقيقية. فاستمرار استخدام هذا المفهوم بشكل انتقائي يضعف من مصداقية الجهود الدولية، ويحول مكافحة الإرهاب إلى أداة سياسية أكثر من كونها التزاما قانونيا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعريف واضح ومتوازن يفرق بين العنف الموجه ضد المدنيين، وبين حق الشعوب في تقرير مصيرها، بما يسهم في بناء نظام دولي أكثر توازنا وعدلا.

 

 

*محام مغترب مقيم في المكسيك

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى