صحفقضاءمحليات لبنانية

صراع سياسي قضائي على منصب المدّعي العام التمييزي

 

 الحوارنيوز – صحافة

  كتبت رلى إبراهيم ولينا فخر الدين في صحيفة الأخبار:

يشتد الصراع بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي والعدلية على منصب النائب العام التمييزي، قبيل إحالة القاضي جمال الحجار إلى التقاعد نهاية هذا الأسبوع.

 

تزداد المعركة على منصب النائب العام التمييزي حماوة، مع اقتراب إحالة القاضي جمال الحجار إلى التقاعد السبت المقبل، في ظل انعدام التوافق على اسم بين المرشحين المحتملين، واختلاف واضح في وجهات النظر بين المعنيين: رئيس الجمهورية جوزيف عون، رئيس الحكومة نواف سلام، وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود.

ورغم هذا التباين في الآراء، إلا أن الثابت الوحيد يبقى محاولة المعنيين الهيمنة على قراره. وبينما يدّعي سلام ليلاً نهاراً طي «صفحة الماضي» والدخول في «عصر الدولة القوية» مع تأكيد إيمانه باستقلالية القضاء، يتصرف عكس ذلك. فينام على اسم ويستفيق على آخر، تبعاً لآخر ضيف حلّ في «سراياه»، مع تأثره بآراء الحلقة اللصيقة به.

وأكثر من ذلك، فإن سلام نسف فعلياً نظرياته حول فصل السلطات، بعدما قرر تنصيب نفسه ولياً على القضاة عبر إجراء امتحانات بالذكاء والفطنة للمرشحين، وقيامه بتحديد مواعيد لبعض القضاة من دون معرفة المعايير المتبعة في ترجيح كفة قاضٍ سني على آخر، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار درجات القضاة الذين قام بـ«استجوابهم»، ولا حتى تفاصيل ملفاتهم في هيئة التفتيش القضائي، بعدما تبين أن بينهم من هو مُحال بقضايا تلقي رشاوى أو التفاعل مع اتصالات سياسية، مع تلقيه تنبيهات من تورط أحدهم بإثارة النعرات الطائفية!

وبدلاً من أن يقوم رئيس الحكومة بالاطلاع على السيَر الذاتية للقضاة للتأكد من خبرتهم وكفاءتهم المهنية، قرر أن يقابلهم على انفراد، أو بالأحرى ابتزازهم وتكبيلهم حتى قبل وصولهم، بعدما صوّر نفسه أنه الآمر الناهي في التعيين. وعليه، كيف ستكون العلاقة المهنية بين سلام ونائب عام تمييزي عيّنه واصطفاه عن زملائه، بغض النظر عن خبرته ودرجته؟ وكيف سيكون هذا النائب العام التمييزي مستقلاً في قراراته عن السراي الحكومي؟

«إنترفيوز» السراي

تشير المعلومات إلى أنه في الشهر الجاري، التقى سلام على التوالي تسعة قضاة هم: رلى عثمان، آلاء الخطيب، حسام معطي، أسامة منيمنة، ربيع حسامي، علي عراجي، أحمد رامي الحاج، محمد المصري ومحمد صعب. وكان لافتاً أن هذه الأسماء تأرجحت بين قضاة يتمتعون بدرجات عالية وآخرين أقل منهم بكثير، إذ استُثني مثلاً القضاة: بلال ضناوي، وائل الحسن، خالد العبد الله، هاني حلمي الحجار، زلفا الحسن وبسام مولوي، علماً أن هؤلاء أعلى درجة من قضاة آخرين قابلهم، وحتى أن بعضهم يشغل مناصب عالية كرؤساء محاكم جنايات مثل زلفا الحسن، أو نواب عامين في المناطق كالحجار.

وهو ما أزعج العديد من القضاة، مع استغرابهم لطريقة المقابلات المباشرة وغير المعتادة مع رئيس الحكومة، وتحويل أعلى منصب قضائي في الدولة اللبنانية إلى ما يشبه منصباً شاغراً في مؤسسة خاصة ويحتاج إلى مقابلات مع الـ«HR».

وعليه، يوحي أداء سلام بأنه غير آبه بحساسية الموقع ويرهنه بأهوائه الشخصية. وهو ما تأكد بعدما خرج من السراي في الأيام الماضية «الدخان الأبيض» أكثر من مرة، قبل أن يقوم سلام بتغيير رأيه وترجيح اسم آخر، بغض النظر عن المسيرة المهنية أو الخبرة القانونية. فهو يريد إثبات نفوذه في تعيين الموظفين السنّة. ويبدو واضحاً أن نظرية المؤامرة تسيطر عليه، إذ كلما استشعر «خطراً» بأن فريقاً يفضّل اسماً، يقوم باستبعاده.

وتؤكد مصادر متابعة أن سلام استبعد مباشرة ثلاثة قضاة من الذين التقاهم، وهم:
– قاضي التحقيق الأول في بيروت رلى عثمان، بعدما تبلغ رفض رئيس الجمهورية القاطع أن تتولى هذا المنصب امرأة.
– المدير العام لوزارة العدل محمد المصري، بعدما شعر سلام أن شخصيته الضعيفة لا تؤهله لهذا المركز الذي يحتاج إلى جرأة في اتخاذ القرارات.
– القاضيان محمد معطي وعلي عراجي.

وعليه، انحصرت الأسماء بـ: آلاء الخطيب، أسامة منيمنة، ربيع حسامي، محمد صعب وأحمد رامي الحاج، من دون أن يحسم سلام رأيه.
وتشير المعلومات إلى أن رئيس الحكومة لا يزال يفكر جدياً في ترجيح كفة واحد من هؤلاء: منيمنة، الحاج أو صعب. ويبدو سلام معجباً بأداء صعب، بيد أن وصوله غير معبّد كونه أصغر المرشحين (مواليد 1979)، ما يعني أن أمامه نحو 21 عاماً قبل إحالته على التقاعد، وتعيينه سيؤدي إلى إطاحة العديد من القضاة الأعلى منه درجة، ممن سيصبح رئيسهم.

وإضافة إلى هذه الأسماء، كان سلام أيضاً متحمساً لتعيين رئيس هيئة التفتيش القضائي أيمن عويدات خلفاً للحجار، بعد لقاءات متكررة بينهما في الأشهر الماضية، قبل أن يتراجع عن الفكرة نتيجة نصائح تلقاها. فعويدات يُحال على التقاعد في تموز المقبل، وبالتالي لن يكون التعيين «محرزاً».

ومع ذلك، فإن شهية عويدات لا تزال مفتوحة، ويُمنّي نفسه ببقاء المركز شاغراً في المرحلة التالية إلى حين تمديد سن القضاة، كما حصل مع النائب العام التمييزي الراحل حاتم ماضي، ومن ثم حصوله على المركز. والمفارقة أن عويدات يعمل أيضاً بـ«Plan B». فتحسباً لفشل مخططه الأول، بدأ بالتسويق للقاضي آلاء الخطيب، كونه قريبه وابن بلدته شحيم، والسعي علناً إلى قطع الطريق أمام منافسيه بشتى الطرق. ويطرح الدور غير الحيادي هذا لعويدات علامات استفهام حوله، كونه يشغل موقعاً حساساً.

محاولات استبعاد حسامي

رغم التقارير الأمنية التي وصلت إلى المرجعيات السياسية من أكثر من جهاز أمني ورجحت كفة حسامي، إلا أنه يتردد أن سلام يرفض هذا التعيين، تارةً بذريعة أن حزب الله وحركة أمل لا يعارضان تعيينه، وطوراً بحجة أن رئيس الجمهورية يعتبره من أفضل الأسماء المطروحة لجهة الكفاءة والدرجات.

وتشير المعطيات إلى أن سلام لم يكن معارضاً للاسم، خصوصاً أن حسامي يحظى بقبول لدى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان وبعض الشخصيات البيروتية التي تطالب بأن يكون المركز لقاضٍ من أبناء العاصمة، بعد خسارة عدد من المراكز الأمنية لصالح أبناء إقليم الخروب، وهو ما تظهّر في مواقف بعض الجمعيات والشخصيات البيروتية والتي كان آخرها البيان الموحد الصادر أول من أمس عن «رابطة أبناء بيروت» و«اللقاء التضامني البيروتي» و«الهيئة الموحدة لطريق الجديدة». إلا أن اندفاعة القصر الجمهوري فرملت حماسة سلام، الذي يريد أن يكون النائب العام التمييزي «عنده» حصراً.

وإضافة إلى معارضة سلام، حمل آخرون لواء المعركة ضد حسامي، وقاموا في الأسابيع الماضية بحملة ممنهجة لاستبعاده، وعلى رأسهم: وزير العدل عادل نصار، رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود وعويدات.

ويقول عدد من القضاة إن نصار وعبود يريدان «قاضياً ضعيفاً»، ليتمكنا من الإبقاء على هيمنتهما على مجلس القضاء الأعلى وتسيير قراراته وفقاً لأهوائهما السياسية، بعدما تمكنا في العامين الماضيين من السيطرة على المجلس، من دون أي تدخل يُذكر من قبل النائب العام التمييزي الحالي، على عكس ما كان عليه الحال في مرحلة القاضي غسان عويدات.

ولذا، يصر الرجلان على أن يكونا صاحبي الكلمة الفصل في هوية القاضي المعين، حتى يتمكنا لاحقاً من السيطرة على قراره. وهو ما قاله علناً وزير العدل قبل أن يتلقى تأنيباً من رئيس الجمهورية.

وفي حال عدم قدرة نصار وعبود على فرض هذا الأمر، سيعمدان، على الأرجح، إلى الإبقاء على المركز شاغراً، ليذهب لصالح القاضي الأعلى درجة في النيابة العامة التمييزية، بيار فرنسيس، الذي يُحال هو الآخر على التقاعد بعد سنة وشهرين، وتحديداً في تموز 2027. سيتيح ذلك المزيد من التشاور حول الاسم، كما تمرير مرحلة عبود الذي تنتهي ولايته في أقل من عام، أو على الأقل ترحيل بند التعيين شهرين ونصف الشهر، أي موعد إحالة رئيس هيئة التفتيش القضائي إلى التقاعد، ما يفسح المجال لرئيسي الجمهورية والحكومة الاتفاق على المنصبين معاً.

سلام متحمس لمنيمنة ونصار يتجه للتغيب عن جلسة الخميس المقبل لفرض إبقاء الموقع شاغراً

ومع ذلك، يخشى عدد من القضاة أن يقوم عبود، باعتباره رئيساً أول لمحكمة التمييز، بإعادة سيناريو تكليف الحجار بمهام النائب العام التمييزي بعد إحالة عويدات على التقاعد في شباط 2024، لإبقاء المنصب بيد قاضٍ سني بدلاً من أن يؤول إلى القاضي الأعلى درجة بغض النظر عن طائفته. ومن هذا المنطلق، تكون بيد عبود القدرة على تعيين من يريد من القضاة السنّة في «التمييز»، مع ترجيح إيصاله القاضي منيمنة، باعتباره أعلى القضاة السنّة درجة في هذه المحكمة.

وتؤكد المصادر أن نصار وعبود كانا يروجان طوال المدة السابقة لاسم القاضي آلاء الخطيب، علماً أنه كان من المقبولين في السراي، قبل أن يتحسس سلام من الحماسة الزائدة له، إضافة إلى ما تردد حول ورود اسمه في ملف في «التفتيش»، على خلفية ما عُرف بـ«فضيحة المدرسة الحربية». وهو ما دفع رئيس الحكومة إلى التريث في دعمه، من دون استبعاده كلياً. ويعني ذلك أن محاولات «ديو العدلية»، نصار وعبود، لا تزال مستمرة لإبعاد حسامي عن المنصب.

وفي هذا الإطار، تقول مصادر متابعة إن نصار زار رئيس الحكومة الثلاثاء الماضي، ونجح في تغيير رأيه واستبعاد حسامي. في المقابل، تولى عبود مهمة بعبدا، إذ زار عون لإقناعه بالعدول عن دعم حسامي، بعدما كان قد أبلغه سابقاً أن الأخير حاصل على تنبيه في ملف مُحال أمام «التفتيش»، ليخرج بعدها من بعبدا، مروجاً أنه نجح في «تنفيس» ترشيحه، وهو ما بدا لاحقاً أنه غير دقيق.

في المقابل، تشير أوساط القصر إلى أن عون لا يريد فرض أي اسم ويحترم أن المنصب سنياً. غير أن رئيس الجمهورية، بعد اطلاعه على السيَر الذاتية للمرشحين، تحمس لاسم حسامي باعتباره من الأفضل لناحية الأداء المهني والدرجات. وتؤكد أوساط بعبدا أنه لا يمكن تحييد رأي رئيس الجمهورية عن هذا التعيين باعتباره أرفع مركز قانوني. ومع ذلك، تقول إن عون سيسمع لجميع الأطراف ويحترم رغبة سلام، وقد قام باستمزاج آراء الوزراء قبل أسبوعين وتمنى إرجاء طرح التعيين في الجلسة الأخيرة، بانتظار مزيد من التوافق.

وفي هذا السياق، يبدو أن بعبدا غير متمسكة باسم واحد بعدما ارتفعت في اليومين الماضيين أسهم أحمد رامي الحاج، على إثر زيارة قام بها إلى القصر، وسيتبعها، بحسب المعلومات، لقاء في الساعات المقبلة مع عون. وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللقاءات تمت برعاية مباشرة من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، النائب تيمور جنبلاط، الذي سهّل مهمة العبور إلى بعبدا، بينما يُحكى عن محاولات لـ«المختارة» في إقناع سلام باسم الحاج. ولذا، كلف النائب بلال عبدالله بمتابعة الملف تحت عنوان أنه نائب سني يدعم ابن إقليم الخروب وليس مرشح جنبلاط، لعدم إثارة حساسيات سلام.

هل يتغيب وزير العدل؟

أما في السراي، فيبدو أن سلام لم يحسم الجدل حول الاسم بعد، رغم اقتراب جلسة مجلس الوزراء الخميس المقبل، والتي يُفترض أن يُطرح فيها التعيين من خارج جدول الأعمال، باعتبارها الجلسة التي تسبق إحالة الحجار على التقاعد بيومين.

وفي هذا السياق، يُحكى عن ارتفاع أسهم منيمنة لدى رئاسة الحكومة في الآونة الأخيرة، إلا أن سلام لا يزال متريثاً، في ظل معارضة البعض لتعيينه، كونه استُجوب سابقاً في قضية على خلفية مشاجرة طائفية، وقيامه بالتخفيف من وطأة عملية انتحارية طاولت كنيسة مصرية.

من جهة ثانية، يبدو أن كل هذه الأسماء قد تذهب أدراج الرياح، مع احتمال تغيب وزير العدل عن جلسة الخميس بداعي السفر إلى الخارج، من دون التأكد مما إذا كان سيقوم بإرسال اقتراحه إلى السراي من عدمه. وبينما يهمس بعض المعنيين بأن هذا التغيب مقصود لتطيير التعيين، خصوصاً أن البند سيُطرح من خارج جدول الأعمال وباقتراح من نصار، وفق ما تنص عليه المادة 31 من قانون تنظيم القضاء العدلي، يرى هؤلاء أن هذا الاحتمال يرجح فرضية شغور المنصب، وبالتالي قيام فرنسيس بمهام النائب العام التمييزي، لقطع الطريق على رئيسي الجمهورية والحكومة في تعيين من يريدانه.

ويشير هذا السيناريو، بلا لبس، إلى أن نصار وعبود هما الحاكمان الفعليان لـ«العدلية»، وأن استقلالية القضاء ليست سوى مزحة سمجة يروج لها البعض عند الحاجة إلى مخاطبة الرأي العام بشعارات فارغة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى