رأي

أوراق القوة اللبنانية الثلاث: فرصة تاريخية للتحرير أم اختبار للنوايا السياسية؟ (عما عكوش)

  

 

بقلم د.عماد عكوش – الحوارنيوز

 

في ظل المشهد الإقليمي المعقد والمواجهات المفتوحة ، يقف المفاوض اللبناني اليوم أمام لحظة تاريخية لا تحتمل أنصاف الحلول أو التنازلات المجانية . فمن يقرأ الخريطة السياسية والميدانية بدقة ، يدرك تماماً أن السلطة اللبنانية لا تفاوض من موقع ضعف ، بل تمتلك في جعبتها اليوم ثلاث أوراق قوة استراتيجية ، قادرة إن أُحسن استخدامها على قلب الموازين وفرض شروط وطنية سيادية تحقق انسحاباً كاملاً وتحريراً للأسرى.

إن تفكيك المشهد الراهن يبرز هذه الأوراق الثلاث التي تشكل درعاً تفاوضياً صلباً:

ورقة صمود المقاومة

لم تعد المعركة تقتصر على التصريحات الدبلوماسية ، بل إن الكلمة الفصل كانت وما زالت للميدان . لقد شكل صمود المقاومة جداراً صلباً منع جيش الاحتلال الإسرائيلي من تحقيق أي استقرار أو تقدم استراتيجي عميق داخل الأراضي اللبنانية . هذا العجز الإسرائيلي عن فرض أمر واقع ميداني جديد يحرم حكومة الاحتلال من فرض شروط المنتصر ، ويمنح المفاوض اللبناني ورقة ضغط حاسمة تؤكد أن التكلفة العسكرية للاستمرار في العدوان باتت تفوق طاقة الإسرائيليين على تحملها.

ورقة تفاهم واشنطن ايران

الورقة الثانية تتجلى في “ورقة التفاهم” التي تشكل مستنداً قانونياً وسياسياً لا يمكن تجاوزه. هذه التفاهمات تنص بوضوح وصراحة على مبادئ لا مساومة فيها منها الاحترام الكامل والمطلق لسيادة لبنان على أراضيه ومياهه وأجوائه ، الوقف الفوري لكافة أشكال الاعتداءات العسكرية ، ووقف سياسة التجريف وتدمير القرى الحدودية التي ينتهجها الكيان الإسرائيلي. تضع هذه الورقة المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، وتجعل أي خرق إسرائيلي بمثابة انتهاك واضح للاتفاقيات المبرمة، مما يقوي الموقف القانوني والدبلوماسي للبنان في أي محافل دولية.

ورقة الدعم الإيراني والمظلة الاستراتيجية

تعتبر هذه الورقة الأهم والأكثر تأثيراً في الحسابات الإسرائيلية والدولية . لقد رسم الدعم الإيراني معادلة ردع واضحة لا لبس فيها ، فهي تنص على ان أي اعتداء واسع أو استهداف وجودي للبنان سيُعتبر بمثابة اعتداء مباشر على الجمهورية الإسلامية في إيران ، وبالتالي فأن الرد على أي حماقة إسرائيلية لن يكون محصوراً في الساحات البديلة، بل سيكون رداً مباشراً وموجعاً في قلب الكيان الإسرائيلي. هذه المظلة الاستراتيجية تغلّ يد الإسرائيلي وتمنعه من التمادي، وتوفر للبنان شبكة أمان إقليمية ترفع من سقف مطالبه دون خوف من التهديدات بالاجتياح أو التدمير الشامل.

أمام هذه الأوراق الثلاث (الميدان ، التفاهم ، والردع الإقليمي)، تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام اختبار وطني وتاريخي حاسم . إن توفر هذه المعطيات يفرض على السلطة السياسية أن تستثمرها بصلابة وذكاء لتحقيق أهداف وطنية كبرى ومحددة منها فرض الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة ، استعادة كافة الأسرى والمعتقلين ، وتثبيت معادلة تمنع أي خروقات مستقبلية.

في الخلاصة لا يوجد اليوم أي مبرر منطقي أو سياسي يدفع المفاوض اللبناني لتقديم تنازلات تمس بالسيادة أو تفرط بحقوق لبنان براً وبحراً . إن أي تراجع أو تفريط بهذه الأوراق الاستراتيجية في هذا التوقيت الحساس لن يُفهم في سياق “البراغماتية السياسية” ، بل سيضع علامات استفهام كبرى حول غايات السلطة الحقيقية ، وسيدفع الكثيرين للتساؤل هل الغاية المخفية هي تمرير تسوية استسلامية وتسليم لبنان للإرادة الإسرائيلية؟

التاريخ لا يرحم، والفرص الاستراتيجية لا تتكرر كثيراً، وعلى صانع القرار في لبنان أن يدرك أن أوراق القوة صالحة للاستخدام لانتزاع الحقوق، لا لبيعها على طاولات المساومات.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى