السلطة اللبنانية: “عنزة ولو طارت” !(أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
تأبى السلطة اللبنانية الا ان تعرض نفسها للمهانة والمهزأة والبهدلة، وتريد أن تقنع الشعب اللبناني (الذكي جداً) بأن وقف إطلاق النار إن حصل هو نتيجة “جهود دبلوماسية”، باللبناني نقول: “الشمس طالعة والناس قاشعة”.
إليكم المشهد بلا لف ودوران:
اتصالات حديثة بين إيران والسعودية وباكستان للوصول الى هدنة مؤقتة في لبنان لمدة اسبوع نتيجة ضغوط ايرانية وتواصل اميركي مع اسرائيل بالتنسيق مع اطراف اقليمية وفي مقدمتها السعودية، ويتزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية لتنشيط التفاوض الايراني الاميركي في اسلام اباد، حيث وصل وفد باكستاني رفيع بقيادة قائد الجيش الى طهران لنقل رسالة واشنطن بالتوازي مع زيارة رئيس وزراء باكستان الى جدة.
وتشير الانباء الى ان واشنطن ابلغت طهران باستحصالها على موافقة تل ابيب، حيث يعقد الكابينيت الاسرائيلي اجتماعا الليلة لبحث المطلب الاميركي الذي قدمته ايران كشرط اساسي لاستئناف المحادثات، ما يجعل كافة الملفات مرتبطة ببعضها البعض ومرهونة بالشروط الايرانية في انتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة بعد ان فرضت ايران مسار وقف اطلاق النار.
ميدانياً:
اسطورة بنت جبيل الحدودية لا تزال صامدة تنكل بالعدو رغم استمرار القتال. فرغم التفوق العسكري برا وجوا فشل الجيش المدجج في السيطرة على المدينة الصغيرة الملتصقة بحدود فلسطين المحتلة، ومن يتابع تصريحات قادة الكيان يظن انهم يتحدثون عن مدينة كبرى وتقع في عمق جغرافي بعيد، بينما تكمن عظمة بنت جبيل في كونها بلدة ريفية (ضيعة)، وهي تصد الغزو قبل وقوعه وتقاومه بضراوة ما دام هناك جندي واحد يدنس ترابها، ولعل الواقع يثبت مجددا ان ذلك الكيان أوهن فعليا من بيت العنكبوت.
ما يتشكل في المشهد اللبناني اليوم ليس مجرد مسار خطي نحو تهدئة عابرة، بل هو عملية معقدة لاعادة توزيع الضغط بين الجبهات تداخلت فيها حسابات الميدان مع طاولات التفاوض، حيث يبدو وقف اطلاق النار المحتمل كجزء من هندسة شاملة لادارة الصراع وليس لانهائه، وتشير المعطيات الى ان الحديث عن هدنة مؤقتة قد تمتد لأسبوع كمرحلة اختبار لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج تقاطع ضغوط اقليمية وتواصل اميركي مباشر مع اسرائيل، بالتزامن مع حراك ايراني يهدف الى ادارة التوتر ومنع انفجاره الشامل، ومع ذلك يظل العامل الحاسم هو قدرة الاطراف الميدانية على فرض كلفة باهظة لاستمرار التصعيد.
يرتبط اي نقاش حول وقف اطلاق النار في السياق اللبناني بواقع استنزاف متبادل جعل من التقدم العسكري خيارا صعبا ومحكوما بتوازن ردع فرضه وجود مقاومة منظمة قادرة على تعطيل تحركات العدو، وهذا التوازن هو المحرك الأساسي الذي يدفع نحو التفكير في التهدئة من منظور اعادة حساب الخسائر والأرباح، وعلى الصعيد الاقليمي تعكس الوساطات المتعددة ومنها الدور الباكستاني محاولة لفتح قنوات تفاوض غير مباشرة بين طهران وواشنطن، ما يحول التهدئة الى اداة وظيفية لخلق مناخ يسمح بترتيب شروط التفاوض الكبرى في المنطقة.
القراءة الدبلوماسية للمشهد تظل ناقصة ما لم تلتفت لما يجري على الارض في جنوب لبنان، حيث تفرض العمليات ايقاعا يؤكد ان وقف النار هو انعكاس لادراك حدود القدرة على الحسم العسكري، والمقاومة هنا ليست متغيرا هامشيا بل هي جزء اصيل من معادلة القرار وحسابات الردع، وما نراه اليوم ليس طريقا نحو تسوية مستقرة بل هو ادارة دقيقة لوقت سياسي وعسكري مفتوح، حيث يستخدم وقف العمليات كأداة لضبط الإيقاع في ظل معادلة معقدة تؤكد ان ما تصنعه البنادق في الميدان هو الذي يحدد في النهاية ما يقال على طاولات المفاوضات.
المشهد الاستراتيجي الحالي يشير الى رضوخ واشنطن لمنطق وحدة الساحات، حيث شملت الهدنة لبنان بعد ان نجح محور المقاومة في فرض معادلته التي تربط استقرار الممرات المائية بهدوء الجبهات، وقد ادى هذا الضغط الى تراجع الطروحات التي كانت تسعى لفصل المسارات او فرض اتفاقات استسلامية، بينما اثبتت بنت جبيل انها مقبرة للاوهام والخرائط العسكرية بعد فشل العدو في تثبيت اقدامه رغم كثافة النيران، والاعترافات العبرية بالثمن الباهظ والاصابات الكبيرة في صفوف النخبة تؤكد ان الكيان خرج من هذه الجولة مهشما عسكريا.
تبدو التهدئة المرتقبة نقطة تحول تعكس تراجع الهيمنة الاحادية وقدرة القوى الاقليمية على فرض شروطها، وتبرز عودة النازحين كاولوية قصوى للمقاومة لكسر مشروع المنطقة العازلة، ومع سريان الهدنة يسود هدوء حذر يدرك فيه الجميع ان السلام مع هذا العدو يظل احتمالا ملغما، مما يبقي الاصابع على الزناد تحسبا لاي غدر، فالمقاومة التي حافظت على وتيرة نيرانها وسيطرتها على الاجواء حتى اللحظات الاخيرة تعلم ان سلاحها هو الضمانة الوحيدة للسيادة والكرامة.



