بين 17 أيار 1983 واليوم: هل يعيد التاريخ نفسه ؟ (واصف عواضة)

كتب واصف عواضة – الحوارنيوز
ثلاثة وأربعون عاما مضت على آخر مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل،والتي أنتجت إتفاق 17 أيار الذي لم تكتب له الحياة نتيجة الإنقسام السياسي حوله وربطه إسرائيليا بشروط إستحال تنفيذها في ذلك الزمان .فهل يعيد التاريخ نفسه ،أم أن الظروف تغيرت وتبدلت على غير صعيد؟
كان لبنان قد خرج من حرب ضروس شنتها إسرائيل في شهر حزيران عام 1982 ، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت وتمكنت من إخراج منظمة التحرير الفلسطينية والقوات السورية من لبنان.
سعت إسرائيل من وراء غزو لبنان والسيطرة عليه في ذلك الحين إلى تحقيق أهداف عدة:
- السعي إلى تدمير منظمة التحرير الفلسطينية المتمركزة في لبنان.
- السعي إلى إجبار لبنان على توقيع اتفاق سلام معها بشكل يضمن لإسرائيل تأمين حدودها الشمالية.
- إيصال رئيس جمهورية غير معاد لها.
دمرت القوات الإسرائيلية عشرات المدن ومئات القرى اللبنانية ونجحت لأول مرة في اجتياح ودخول عاصمة عربية خارج حدود الأراضي المحتلة ، كما نجحت في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية خارج لبنان. وألحق اجتياحها ضربة قاصمة بالقوات السورية الموجودة في لبنان ودفعتها إلى إخلاء بيروت وجبل لبنان والإنسحاب إلى البقاع والشمال.
رعت قوات الاحتلال إنتخاب قائد القوات اللبنانية بشير الجميل رئيسا للجمهورية اللبنانية، وتوهم غالبية اللبنانيين أن لبنان مقبل على استقرار لم يسبق له مثيل بوجود رئيس قوي يملك كل الصلاحيات الدستورية ،لكن هذا الوهم زال بعد أقل من شهر على الإنتخاب حيث اغتيل بشير الجميل في الرابع عشر من أيلول عام 1982 ، وانتخب شقيقه أمين الجميل رئيسا للجمهورية.
وضعت الإدارة الأميركية برئاسة الرئيس رونالد ريغان ثقلها لترتيب الأوضاع في لبنان، وأقنعت الرئيس الجميل بضرورة التفاوض مع إسرائيل.
في 28 كانون الأول/ديسمبر 1982 بدأت المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية في منطقة خلدة جنوبي بيروت. بعد تلك المفاوضات جرت جولات عديدة في مستعمرة كريات شمونة . استمرت المفاوضات حتى 17 أيار/مايو 1983 حيث تم التوصل إلى اتفاق سلام عُرف بمعاهدة 17 أيار.


بنود المعاهدة
نصت المعاهدة على:
- إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل.
- الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان في فترة 12-8 أسبوع.
- إنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تتعهد الحكومة اللبنانية بأن تنفذ ضمنها الترتيبات الأمنية المتفق عليها في ملحق خاص بالاتفاق.
- تكوين لجنة أمريكية – إسرائيلية – لبنانية تقوم بالإشراف على تنفيذ بنود الإتفاقية وتنبثق من تلك اللجنة لجنة الترتيبات الأمنية ولجان فرعية لتنظيم العلاقات بين البلدين.
- تكوين مكاتب الإتصال بين البلدين والتفاوض لعقد اتفاقيات تجارية.
- امتناع أي من إسرائيل ولبنان عن أي شكل من أشكال الدعاية المعادية للبلد الأخرى.
- إلغاء جميع المعاهدات والبنود والأنظمة التي تمنع تنفيذ أي بند من بنود الإتفاقية.
اجتمع المجلس النيابي يومي 13 و14 حزيران /يونيو 1983 للنظر في الاتفاق في حضور 72 نائبا وغياب 19 من أصل ال99 الذين انتخبوا عام 1972 ،وكان قد توفي 7 منهم قبل هذا التاريخ إضافة إلى أمين الجميّل الذي أصبح رئيسا للجمهورية.
أشرف على التصويت رئيس المجلس كامل الأسعد الذي لم يصوت بدعوى حيادة رئاسة المجلس وجاء التصويت كالآتي: 65 صوتا لصالح الاتفاق،إثنان ضد هما نجاح واكيم وزاهر الخطيب ،إمتناع ثلاثة هم حسين الحسيني ورشيد الصلح وألبير منصور، وواحد متحفظ هو عبد المجيد الرافعي أمين سر منظمة حزب البعث العراقي.
لاقى الكثير من اللبنانيين ذلك الاتفاق بالرفض الشديد معتبرين أن اتفاق 17 أيار هو اتفاق العار. وزادت العمليات العسكرية من قبل المقاومة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي التي كانت قد انسحبت إلى حدود نهر الأولي جنوبا.
قادت حركة أمل برئاسة نبيه بري مدعوما من الحزب التقدمي الإشتراكي بزعامة وليد جنبلاط وأحزاب الحركة الوطنية اللبنانية،التمرد على الاتفاق وبدعم من سوريا التي زارها جورج شولتز وزير خارجية الولايات المتحدة وريتشارد مورفي المساعد للشرق الأدنى وقابلا الرئيس السوري حافظ الأسد وشرحا له فيها عن الاتفاق بين لبنان وإسرائيل. وبعد أربع ساعات من الشرح من قبل الموفد الأميركي، أدلى الرئيس حافظ الأسد بالعبارة الآتية : “إن هذا الاتفاق لن يمر. إنه اتفاق إذعان”
وسط هذا الصراع إنقسم الجيش اللبناني وعادت خطوط التماس ترسم نفسها بين ضفتي العاصمة ،وحصلت حرب الجبل وانتفاضة 6 شباط 1984 وعقد مؤتمرا جنيف ولوزان بين القوى اللبنانية برعاية سورية سعودية، وتصاعدت وتيرة استهداف القوات الأسرائيلية والأجنبية داخل لبنان، خاصة بعد حادث مقتل عدد كبير من قوات المارينز والمظليين الفرنسيين، فاتجه الرئيس أمين الجميل إلى إعلان إلغاء اتفاق 17 أيار مع إسرائيل، وتحت ضغط الرفض الشعبي قامت الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبناني باعتبار هذا الاتفاق باطلا وقاموا بإلغائه بعد أقل من عام على اعتماده، وبالتحديد في الخامس من آذار 1984 ،وكان حزب الله قد تأسس في العام 1982 وتحول إلى مقاومة فاعلة ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى أن تمكنت المقاومة من تحرير الأراضي اللبنانية في 25 أيار عام 2000.

مقارنة بين الأمس واليوم
وعود على بدء:هل يعيد التاريخ نفسه؟
ظروف كثيرة تغيرت لعل أبرزها زوال الخاصرة الداعمة والحاضنة للمعارضين للتفاوض مع إسرائيل والإتفاق معها ،على افتراض ان السلطة اللبنانية ذاهبة حكما إلى مثل هذا الاتفاق. فسوريا اليوم خارج الصراع ،وحيادها يشكل عنصرا سلبيا في هذا المجال ،هذا إن لم تدفعها الإدارة الأميركية إلى تشكيل عنصر ضاغط على القوى اللبنانية المناهضة للمشروع الأميركي الإسرائيلي .
يقف الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله ) شبه وحيد في هذه المعركة ،حيث يبدو حلفاؤه السابقون خارج المعادلة، خاصة الحزب التقدمي الإشتراكي ومعظم القوى الوطنية السابقة التي لم تعد أساسا بنفس الفعالية الغابرة.
صحيح أن الجمهورية الإسلامية تشكل مع أطراف محور المقاومة قوة دعم للثنائي وحلفائه في لبنان ،لكن إيران أيضا تواجه حربا ضروسا ليس واضحا حتى الآن مداها ونتائجها، فضلا عن أن سوريا باتت تشكل سدا منيعا أمام أي إمداد عسكري للبنان . ولا يغيب عن بال أحد أن إسرائيل تدفع بكل قوتها لدفع لبنان إلى فتنة داخلية تشاغل فيها حزب الله وحلفائه.
على الرغم من هذا الواقع الرمادي الخطير،يبقى الرهان على مستقبل الوضع في المنطقة ،ومآل المفاوضات الأميركية الإيرانية التي يبدو أنها ستستأنف خلال الأيام المقبلة . فمعركة المقاومة في لبنان ليست داخلية صرفة ،بل هي جزء من حرب إقليمية عالمية واسعة ،يجب إنتظار تطوراتها المتسارعة،وعندها يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
عام 1982 تمكنت إسرائيل بدعم عربي ودولي من إخراج الفلسطينيين والسوريين من لبنان كقوى غير لبنانية ،فهل من المنطقي أن تتمكن من إخراج طرف لبناني من أرضه وبلده كما يحلم البعض؟
وهل من المنطقي نزع سلاح مقاومة في ظل احتلال ؟ وهل يمكن للسلطة اللبنانية أن تقدم على ذلك ؟
في الخلاصة عندما توضع مقاومة الاحتلال ،أي مقاومة ،بين خياري القتال أو الإستسلام ،فهي بالطبع لن تختار الإستسلام ،وهو ما أكد عليه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير.

هل يعيد التاريخ نفسه؟
غالبا ما أعاد التاريخ نفسه . فلننتظر ونر ،وإن إغدا لناظره قريب !



