خواطر في حب لبنان وصون سيادته(غادة حيدر)

غادة حيدر – الحوارنيوز
وانت في مهجرك القسري يعصف بك حبّ لبنان حتى تترنح روحك بين موت وولادة، بين انتماء مطلق وخجل مطلق!
يشدك بأس رجال عزموا على الدفاع عن ارضهم ووطنهم، ليست المسألة مجرد مساحة جغرافية صغيرة، فالرجال يتجاوزن هذا الحيّز فهم من مختلف المناطق اللبنانية، وليس حب الوطن مجرّد عاطفة عابرة، بل هو قدرٌ مكتوب في قلوب أبنائه، نقشٌ أبديّ يضيء وجدانهم كما يضيء الأرز قمم الجبال، وكما يسطع البحر على شواطئه.
وانت في مهجرك تشدك بسالة الرجال ويكاد الوطن من دونهم كساحة رقص معروضة للإيجار ومعهم يبقى لبنان حيّاً لأن فيه رجال ونساء وأطفال يرفضون أن يُختزلوا في أرقام أو طوائف.
رجال يتمسمرون في أرضهم احياء كانوا أو شهداء لأنهم أبناء الأرض التي تفضّل الموت على الخضوع، أبناء القرى والسهول والجبال التي علّمتنا أن الكرامة لا تُشترى، وأن الشكوى ليست من شيم الأحرار. نحن الذين لم نحمل يوماً سلاحاً في وجه أخٍ لنا، ولم نغمس أيدينا في دماء الأبرياء، لكننا نحمل في قلوبنا حلماً أكبر من كلّ السلاح: حلم الحرية، حلم السلام، حلم وطنٍ لا تحكمه الطوائف ولا القبائل، بل تحكمه دولة عادلة ورجال تاريخ يصنعون المستقبل كما صنعوا الأمجاد.
أما زال في لبنان رجال يصنعون التاريخ؟
أما زال فيه رجال دولة؟
أسئلة تطرق أبواب الضمير بعد كلّ ما حدث. فإذا كان لبنان منذ فجر الأبجدية رسالةً إلى العالم، فإن هذه الرسالة لا تُختصر في الأرض والأرز، بل في الحرية والثقافة واحترام حقوق الآخر. والآخر ليس المختلف في الدين أو الطائفة، بل المختلف في الرأي والموقف، المختلف الذي يُغني الوطن بتعدّده ويمنحه معنى الوطنية الحقّة.
الوطنية ليست شعارات تُرفع في المهرجانات، ولا خطابات تُلقى في المناسبات، بل هي فعل يوميّ، هي الاعتراف بالوطن لكلّ أبنائه، هي شعور المواطن أنّه جزء من الكيان لا مجرّد رقم في لائحة انتخابية. حبّ الأرض لا يكفي، بل يجب أن يتعزّز باحترام الدستور والمؤسسات، وأن تُعامل السلطة المواطن كإنسان له كرامة وحقوق، لا كأداة في لعبة الطوائف.
أما أولئك الذين يوزّعون دروساً في الوطنية ويتّهمون المهّجر والجائع والمشرّد بتعطيل مسيرة ” السلم والسلام “، فهم لا يدركون أنّ سلامهم المزعوم ليس سوى قناعٍ لإلغاء الهوية، وأنهم يقدّمون لنا سُمّاً مغلّفاً بكلمات براقة: “كرامة”، “وطن”، “حضارة”، “مدنية”، ليبدّلوها بمفردات السوق والصفقات والفنادق والشاليهات والرشاوى. وإن كان الكثير من هذه المفردات قد شاع قبل مجيء مشروعهم، فإن ذلك لا ينفي أنّه جزء من مخطّطٍ أميركي-صهيوني أكبر يُراد له أن يُطبّق على أرضنا، مخطّطٍ يطمس تاريخنا ويحوّلنا إلى سلعة في بازار السياسة الدولية.
ولبنان، الذي كان رسالة منذ فجر الأبجدية، لا يمكن أن يُختزل في صفقة. إنّ دماء الشهداء التي روت أرضه أغلى من كلّ العالم، وإنّ كرامة أبنائه أسمى من كلّ ثروةٍ زائلة. لذلك، فإنّ الحق المشروع في المقاومة ضد الاحتلال ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو واجب وطني وأخلاقي، وهو حق تنصّ عليه كلّ القوانين الدولية والمواثيق الأممية، من ميثاق الأمم المتحدة إلى قرارات الجمعية العامة التي تؤكّد أنّ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لها الحق في مقاومته بكلّ الوسائل المشروعة.
المقاومة ليست نزوة ولا مغامرة، بل هي امتداد طبيعي لحق الإنسان في الدفاع عن أرضه وكرامته. هي صوت الذين لا يملكون سوى إرادتهم، وهي فعل الذين يرفضون أن يكونوا عبيداً في زمنٍ تُباع فيه الأوطان وتُشترى الولاءات. المقاومة هي التي تحفظ معنى الوطن، وهي التي تجعل من لبنان أكثر من مساحة جغرافية، تجعل منه فكرةً حيّة، رسالةً متجدّدة، نبضاً لا يموت.
إنّ القوانين الدولية، التي وُضعت لتكون مرجعاً للعدالة، تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتقرّ بأنّ الاحتلال فعلٌ غير مشروع، وأنّ مقاومته فعلٌ مشروع. هذا الحق ليس منحة من أحد، بل هو جزء من كرامة الإنسان، جزء من إنسانيته. لذلك، فإنّ لبنان، الذي عرف الاحتلال وذاق مرارته، لا يمكن أن يتخلّى عن هذا الحق، ولا يمكن أن يقبل أن يُقال له إنّ مقاومته إرهاب أو أنّ دفاعه عن أرضه جريمة.
الوطن الذي لا يقاوم الاحتلال يفقد معناه، والشعب الذي لا يدافع عن أرضه يفقد هويته. لذلك، فإنّ المقاومة ليست خياراً بين خيارات، بل هي قدرٌ حين يُفرض الاحتلال، وهي واجب حين تُهدّد الكرامة، وهي رسالة حين يُراد للوطن أن يُمحى من الخريطة.
حتى يبقى للنصب التذكاري القائم في ساحة الشهداء معنى وقيمة وطنية، احترموا الدماء التي تقدم على طريق صون السيادة الوطنية.



