رأي

“الشريك” الذي لا يجد لنفسه موضعًا إلا في معسكر العدو! (أكرم بزي)

 

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

تأبى بعض القوى الانعزالية في لبنان إلا أن تضع نفسها في موقع التابع، فتلتحق بأجندات خارجية تمتد من الخليج إلى الغرب، متقاطعةً بشكل أو بآخر مع مصالح العدو الصهيوني، في مشهد سياسي يثير القلق أكثر مما يثير الاستغراب. هؤلاء يدركون الحقيقة، لكنهم يختارون إنكارها، ويتسلّحون بخطاب فارغ لا يلامس واقعاً يرزح تحت وطأة اعتداءات مستمرة منذ ما لا يقل عن 15 شهراً، وكأن ما يجري على أرض لبنان يحدث في مكان آخر لا يعنيهم.

وما يزيد المشهد خطورة، هو هذا التنكّر المتعمّد لإرث فكري وسياسي لطالما حذّر من الخطر الصهيوني، حتى من قبل شخصيات مسيحية بارزة كميشال شيحا وشارل مالك وموريس الجميّل، الذين أجمعوا على أن هذا الخطر لا يستهدف فئة دون أخرى، بل يهدد وجود لبنان برمّته. ومع ذلك، نشهد اليوم خطاباً يتجاهل هذه الحقائق، ويتعامى عن التاريخ القريب، وكأن الذاكرة الوطنية باتت انتقائية.

أما الأكثر إثارة للريبة، فهو صمت السلطة اللبنانية، أو عجزها، أمام الانتهاكات اليومية التي تطال شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يدفعون أثماناً باهظة دفاعاً عن وطنهم، في ظل احتلال مستمر وعدوان لا يتوقف. هذا الصمت لا يمكن فصله عن المناخ السياسي العام الذي يحاول تهميش هذه التضحيات أو التقليل من شأنها، في وقت تُرتكب فيه المجازر يومياً بحق شعب أعزل.

من هنا، تأتي ضرورة وضع الأمور في سياقها الحقيقي، والانطلاق من هذه الوقائع لبناء موقف وطني واضح لا لبس فيه.

إن تصوير أي اعتراض على سياسات الأمر الواقع لا يمكن قراءته إلا كتشويه متعمّد للحقائق، ومحاولة مفضوحة لقلب الوقائع وتضليل الرأي العام، بما يبرّئ المعتدي الحقيقي ويحمّل الضحية مسؤولية ما تتعرّض له. فالمسألة لم تعد نقاشاً سياسياً عادياً، بل باتت محاولة لطمس معاناة الجنوبيين تحديداً، الذين يدفعون يومياً أثمان العدوان بأرواحهم وبيوتهم وأرزاقهم، ومعهم كل الشعب اللبناني الوطني الذي يرزح تحت وطأة الاعتداءات المستمرة.

وفي هذا السياق، فإن حصر النقاش بمسؤوليات داخلية، مع تجاهل العدوان القائم والموصوف، يشكّل انحرافاً خطيراً عن جوهر القضية، وتعمية متعمّدة على حقيقة أن هناك معتدياً واضحاً وشعباً يُعتدى عليه. فالسيادة لا تُفصّل على قياس الخطابات السياسية، ولا تُختزل بشعارات انتقائية، بل تُبنى على حماية الأرض والناس، وعلى الاعتراف الصريح بمن يعتدي ومن يدافع، لا على قلب الأدوار وتزييف الوقائع.

 هذا الخطاب بقدر ما يكشف إفلاسه وعجزه الكامل عن إنتاج مشروع وطني جامع، ويؤكد أنه قائم على الإلغاء والاستقواء، لا على الشراكة والتعددية التي يقوم عليها لبنان.

أما الاتكاء الدائم على شعارات بالية مكشوفة لتبرير كل الانهيارات السياسية والاقتصادية، فلم يعد ينطلي على اللبنانيين الذين يدفعون أثماناً باهظة نتيجة خيارات لم يشاركوا في اتخاذها، فيما تُستخدم هذه الشعارات كغطاء لاستمرار واقع يعمّق العزلة والانهيار، ويبدّد ما تبقى من مقومات الدولة.

السياديون الحقيقيون هم أولئك الذين يثبتون يومياً في مواقعهم، ويقدّمون أرواحهم دفاعاً عن هذا الوطن، حفاظاً على مناعته وصموده وكرامته، لا أولئك الذين يكتفون بالشعارات ويتهرّبون من ميادين المواجهة. أما سواهم، فلا يعدون كونهم زبداً عابراً يذهب جفاء، لا أثر له في معادلات التاريخ، لأن التاريخ الحقيقي لا يرحم، ولا يدوّن إلا تضحيات الصادقين ومواقف الثابتين.

خمسة عشر شهراً والعدو يرتكب المجازر باللبنانيين، لا دولة تردع ولا تدافع ولا من يحزنون، لا بل أمعنت السلطة بالتنكيل بالمقاومين والجنوبيين تحديداُ، فهل كان المطلوب حتى تحصل الابادة ومن ثم الاستسلام؟

يبدو ان البعض لا يرى ضرورة لبعض القرى الحدودية ولا لأهلها ومن يعلم في سلسلة التنازلات يبدو أنها ستكون آخر ورقة على طاولة المفاوضات!

الحرب المفروضة على لبنان من قبل الصهاينة كان يحضر لها منذ أمد بعيد بحسب وزير الحرب الاسرائيلي كاتس ورئيس وزرائه نتنياهو والإعلام الصهيوني، وخاصة كتاب الرأي المشهورين في الصحافة العبرية، ولكن أصحاب الرأي في معراب لا مشكلة لديهم مع الصهاينة والعدو طالما همهم أن يلتحقوا بنخبة جزيرة جيفري ابستين!

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى