رأي

المفاوضات لن تكون بديلاً عن الميدان.. بل امتداد له بوسائل أخرى (بهاء حلال)

 

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال – خاص الحوارنيوز

 

 لا يعكس المسار  بين بيروت وتل ابيب مجرد تعثّر تفاوضي عابر، بل يكشف عن أزمة بنيوية أعمق، تضرب جوهر المسار السياسي الذي تحاول واشنطن تسويقه في المنطقة. 

فالمفاوضات الدائرة اليوم لا تبدو أقرب إلى تسوية بقدر ما تبدو إدارة مفتوحة للصراع، أو محاولة أميركية ـ إسرائيلية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني تحت عنوان “الاستقرار”، فيما تبقى عناصر الانفجار قائمة ومحمية بالتناقضات نفسها التي أطلقت المواجهة.

في الظاهر، تبدو الطاولة التفاوضية مزدحمة بالعناوين التقنية: 

-وقف إطلاق نار.

 -انسحاب اسرائيلي. -ترتيبات أمنية.

-ضمانات متبادلة. 

لكن خلف هذه العناوين تختبئ معادلة أكثر تعقيداً، عنوانها الأساسي :

 أن كل طرف يدخل إلى التفاوض بأهداف مختلفة جذرياً عن أهداف الطرف الآخر، إلى درجة تجعل هذه العملية التفاوضية نفسها فاقدة لادنى مستوى  من القواسم المشتركة.

لبنان، المثقل بانهياره الداخلي وبالاستنزاف الأمني والاقتصادي، يبحث عن مخرج يوقف النزيف على حدوده الجنوبية، ويمنع تحوّل الجبهة إلى حرب دائمة منخفضة الوتيرة. 

غير أن إسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات من زاوية إنهاء المواجهة، بل من زاوية إدارتها بشروط تعجيزية لتكون قادرة على نسج اتفاق  ملائم لمصالحها واهدافها الأمنية والسياسية،والاستراتيجية.  ولهذا لا تبدو تل أبيب مستعجلة على وقف النار، بل تتصرف كما لو أن استمرار الضغط العسكري جزء من استراتيجية التفاوض نفسها، لا أداة للوصول إلى تسوية.

 

هذا التباين لا يقف عند حدود النظرة إلى الحرب، بل يمتد إلى مفهوم الضمانات. فبيروت تدرك أن أي تفاهم بلا رعاية أميركية فعلية وضمانات واضحة سيكون مجرد هدنة هشة قابلة للانفجار عند أول منعطف. إلا أن واشنطن، رغم إدارتها المباشرة للمسار التفاوضي، لا تبدو مستعدة للذهاب نحو التزامات حقيقية تلزم إسرائيل أو تحد من هامشها العسكري. وهنا تتكشف إحدى أخطر العقد: الولايات المتحدة تريد دور الوسيط من دون أن تتحمل كلفة الضامن.

أما العقدة الأكثر حساسية فتتصل بطبيعة الأهداف الأميركية والإسرائيلية من العملية برمتها. 

فالمسألة بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب لا تنحصر بترسيم قواعد أمنية جديدة على الحدود، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة بناء مسار سياسي ـ أمني طويل الأمد يفضي عملياً إلى تقليص دور المقاومة اللبنانية ونزع عناصر قوتها. هذا الهدف يُطرح تحت عناوين “بناء الثقة” و”تعزيز سلطة الدولة”، لكنه في الحسابات اللبنانية يثير خشية عميقة من أن تتحول المفاوضات إلى مدخل لإعادة تشكيل التوازن الداخلي اللبناني بما يخدم الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي.

ومن هنا يمكن فهم سبب انعدام الثقة المتبادل. فبيروت تُطالَب بخطوات ملموسة وحساسة تتصل بالبنية الأمنية الداخلية، فيما لا تقدم إسرائيل أي مؤشر مقابل، لا على مستوى وقف الاعتداءات، ولا على مستوى الانسحاب من الأراضي المحتلة، ولا حتى في ما يتعلق بتحديد سقف زمني واضح للمفاوضات. على العكس، تبدو الحكومة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى تكريس واقع تفاوضي مفتوح زمنياً، يسمح لها بالحفاظ على الضغط العسكري والسياسي بالتوازي مع استثمار الوقت لتحصيل مكاسب إضافية.

والأخطر أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي لا يوحي بوجود تحول استراتيجي نحو التهدئة. فمن بنيامين نتنياهو إلى وزراء حكومته، تتكرر المواقف التي تؤكد التمسك بالبقاء في النقاط المحتلة ورفض تقديم تنازلات جوهرية. وهذا يعني أن تل أبيب تتفاوض من موقع القوة الميدانية، لا من موقع البحث عن تسوية متوازنة، فيما تكتفي واشنطن بإدارة الإيقاع السياسي من دون ممارسة ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية.

لذلك، تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى مسار دائري مغلق: جلسات متلاحقة بلا أفق واضح، تفاوض بلا جدول زمني، ووساطة أميركية بلا أدوات إلزام. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الحديث عن اختراق سياسي كبير أقرب إلى الرهان النظري منه إلى الاحتمال الواقعي.

المعضلة الحقيقية إذاً لا تكمن فقط في التفاصيل التقنية للمفاوضات، بل في التناقض العميق بين ما يريده كل طرف من هذه العملية.

 لبنان يريد تثبيت الاستقرار ووقف النار، وإسرائيل تريد إعادة هندسة البيئة الأمنية اللبنانية.

واشنطن تسعى إلى إدارة توازن إقليمي جديد من دون الدخول في مواجهة مع حكومة الاحتلال. 

وبين هذه الأهداف المتضاربة، تتحول المفاوضات إلى مساحة لكسب الوقت أكثر منها منصة لصناعة السلام وخاصة انها تفتقد لسبب او لاخر لضمانات اميركية، وسعودية وايضا ايرانية. وفي الشرق الأوسط، حين تصبح المفاوضات أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، فإن الطاولات السياسية لا تكون بديلاً عن الميدان، بل امتداد له بوسائل أخرى.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى