قراءة في قرارات الحكومة المالية : الكلفة على المستهلك (عماد عكوش)

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
دخلت الحكومة اللبنانية مجدداً في اختبار صعب بين ضغوط صندوق النقد الدولي ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي ، فاختارت المسار التقليدي وهو زيادة الإيرادات عبر الضرائب غير المباشرة، مقابل منح زيادات شكلية للموظفين والمتقاعدين تبلغ ست رواتب إضافية لا تدخل في أساس الراتب، تتراوح قيمتها بين 120 و200 دولار شهرياً بحسب الرتبة. غير أن هذه الزيادة، التي تبدو ظاهرياً دعماً اجتماعياً، ستُموَّل عملياً من خلال حزمة ضرائب ورسوم جديدة تطال جميع المقيمين في لبنان.
ولتمويل هذه الزيادة سترسل الحكومة إلى مجلس النواب مشروع قانون لرفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، وهي الزيادة الأولى منذ ثماني سنوات. كما ستصدر مراسيم فورية تقضي برفع سعر صفيحة البنزين بنحو 300 ألف ليرة (ما يعادل 3.35 دولارات تقريباً)، إضافة إلى تعديل رسوم المستوعبات لتصبح 50 دولاراً على مستوعب 20 قدماً و80 دولاراً على مستوعب 40 قدماً.
تقدّر الحكومة أن كلفة الزيادات على الرواتب تبلغ نحو 800 مليون دولار سنوياً. في المقابل، تؤمّن زيادة 1% على الـTVA حوالى 207.7 ملايين دولار سنوياً وفق أرقام موازنة 2026، فيما يُفترض أن تسهم الزيادات على المحروقات والرسوم الجمركية في سد الفجوة المتبقية.
النتيجة المباشرة هي تحميل المستهلك كلفة الزيادة، إذ إن الضرائب المفروضة تطال السلع والخدمات، ما يعني موجة تضخمية جديدة ستطال مختلف الفئات الاجتماعية.
هذه القرارات تعكس التزاماً واضحاً بتوجيهات صندوق النقد والبنك الدولي، لجهة منع أي إنفاق إضافي غير ممول. فقد رفض وزير المالية ياسين جابر تمرير الزيادة قبل تأمين مصادر إيرادات تغطي كلفتها، سواء لتمويل الرواتب الإضافية لنحو 251 ألف موظف ومتقاعد، أو لتوظيف 1690 أستاذاً في الجامعة اللبنانية. وقد شهدت جلسة مجلس الوزراء نقاشات حادة ، مع اعتراض عدد من الوزراء ، بينهم ممثلو حزب الله وحركة أمل والقوات اللبنانية ، على المقاربة المالية المعتمدة. كما أعلنت كتلة “التنمية والتحرير” رفضها رفع الضريبة على القيمة المضافة.
ورغم هذه الزيادات، لم تلبِّ الحكومة المطالب الفعلية للموظفين. فالأساتذة يطالبون بمضاعفة رواتبهم 37 مرة، فيما كان الموظفون الإداريون والمتقاعدون قد حصلوا على وعود بإعادة رواتبهم تدريجياً إلى ما يعادل 50% من قيمتها عام 2019، مع تقسيط الفارق بنسبة 10% كل ستة أشهر حتى عام 2028.
بالتالي، من المتوقع تصاعد التحركات الاحتجاجية في الأيام المقبلة، خصوصاً أن الزيادة الحالية لا تعيد القدرة الشرائية إلى مستويات ما قبل الانهيار النقدي.
بقراءة شاملة، يتضح أن السياسات الاقتصادية لم تتغير جذرياً. فما زالت الحكومة تعتمد على زيادة الواردات عبر الضرائب غير المباشرة، التي تطال الفئات ذات الدخل المحدود أكثر من غيرها، في ظل غياب إصلاح ضريبي هيكلي يقوم على:
- إعادة هيكلة القطاع العام
- توحيد الرواتب ضمن سلسلة عادلة وواقعية
- إصلاح النظام الضريبي باتجاه ضرائب تصاعدية مباشرة
- تحفيز القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، الخدمات) لزيادة الإيرادات عبر النمو لا عبر الجباية
في ظل غياب هذه التحولات البنيوية، تبدو النتائج متوقعة وهو تضخم إضافي، تآكل جديد في القدرة الشرائية، وتفاقم في الاختلالات الاجتماعية. أما المستفيدون على المدى القصير والمتوسط، فهم أصحاب الكارتلات والمصالح الاحتكارية الذين يجيدون تحويل الأزمات إلى أرباح كما فعلوا خلال الازمة السابقة .
وعليه ، فإن المقاربة الحالية قد تؤمّن توازناً مالياً ظرفياً ، لكنها لا تشكل مساراً إنقاذياً مستداماً، ما يبقي خطر دورة انهيار جديدة قائماً خلال السنوات القليلة المقبلة، ما لم تُستبدل سياسة الجباية بسياسة إنتاج ونمو حقيقي.



